الحرير/
بقلم: كمال فتاح حيدر
كلما اطلت النظر في سجلات القبائل العراقية العريقة التي اقتلعوها من جذورها، وأرغموا شيوخها وأطفالها ورجالها ونساءها على الرحيل، حتى لم يبق منهم إلا القليل القليل.
وكلما استعرضت سجلات رموزنا المشردة الضاربة في اعماق التاريخ، أتذكر رواية (آخر رجال الموهيكانز) للكاتب الأمريكي جيمس فينيمور كوبر. التي نشرها عام 1826. وتحولت إلى عدة أعمال سينمائية أشهرها الفيلم الملحمي المُنتج عام 1992 (the last of the mohicans). .
رواية تدور أحداثها حول شهامة صياد (كندي) غيور. كان آخر المحاربين الباقين على قيد الحياة من قبيلة الموهيكانز (احدى أشهر قبائل الهنود الحمر في أمريكا الشمالية). .
أتساءل دائماً كيف انصهرت قبائلنا وقومياتنا وطوائفنا الأصيلة، وكيف ذابت في غضون بضعة أعوام ؟. .
كيف اختفت التجمعات الآشورية (ملوك الارض) والكلدانية من شمال العراق، وكيف تبخرت التجمعات المندائية التي نشأت وانتشرت جنوب العراق ؟. وكيف تشتتوا في كل القارات ؟. ولماذا عقدوا العزم على مغادرة الارض التي ينتمون اليها منذ عشرات القرون ؟. .
لا ريب انهم شهدوا من الظلم والتعسف ما لم يشهده احد، حتى ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت فاختاروا العيش في ديار الغربة. .
أتساءل دائماً كيف اضمحلت المكونات السريانية والايزيدية والكاكائية الذين ينتمون إلى السلالات العراقية القديمة ؟. وكيف تعرضوا للقتل والعنف والتشريد والترهيب، وكيف سُبيت نساءهم وخُطف أولادهم على يد عصابات ممولة عربيا، وعلى يد فصائل مسلحة ضالعة في الإجرام والتطرف ؟. .
أتساءل كيف وصلت الجرأة بالحكومة العراقية إلى قصف القبائل الكردية بالغازات الكيماوية المحرمة دولياً ؟. وكيف أقدمت على تهجير القبائل (الفيلية)، وتعطيش عرب الجنوب، وتجفيف أهوارهم، واقتلاع بساتين شط العرب، وإرغام سكان البصرة على الانتشار في المحافظات البعيدة. .
سبق للدولة الأموية ان أعلنت الحرب على الطوائف المسيحية (النسطورية) التي كانت تمثل الديانة الاولى في عصر المناذرة، ثم استمرّت حملات التهجير لتشمل الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، ففجروا كنائسهم، ومنعوهم من ممارسة طقوسهم حتى لم يبق منهم باق. ومازالت حملات التشويه والكراهية تستهدف كل عراقي شريف. .
حملات اشتركت فيها الحكومة نفسها. وربما تذكرون كيف كان وزير المعارف (ساطع الحصري) يكره الطبقة الفلاحية في الشمال والجنوب، وكيف كان يقف ضد إنشاء معهد للمعلمين في الموصل، ومعهد آخر في الناصرية. .
اذكر في عام 1991 تبنت جريدة الثورة حملة مسعورة ضد سكان جنوب العراق بمقالات متسلسلة حملت عنوان: (ماذا حصل ؟. ولماذا حصل الذي حصل ؟) وكانت جميعها بقلم صدام نفسه، والتي راح ضحيتها الشهيد (ضرغام هاشم الموصلي) بسبب موقفه الوطني الرافض لتلك المقالات المنافية لأبسط المبادئ الإنسانية. .
من كان يتصور ان العراق سوف يفقد مكوناته الأساسية في غضون سنوات معدودات ؟. ومن كان يتخيل ان السياسيين الذين كانوا يرفعون شعارات التواد والتلاحم والتآخي هم الذين اشتركوا في تفريغ مدننا من محتواها السكاني ؟. حتى تحولت أرضنا إلى بيئة طاردة من دون ان تنتبه منظمات المجتمع المدني لهذا الزلزال الديموغرافي. .
لدينا الآن رضوض في المشاعر، وكسور في الخواطر، وخدوش في الضمائر، وتمزقات في روابط الروح والوجدان. .
أمامنا بضعة سنوات نتذكر فيها اخواننا الذين تفرقوا في المنافي البعيدة. نتواصل معهم كل يوم. لكننا على يقين ان الأجيال القادمة سوف تتعايش مع صورة باهتة للعراق. صورة فقدت حيويتها الموروثة، وخسرت ملامحها القديمة بعد رحيل آخر رجال الميزوبوتاميا. .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة