لا فرق بين اليوم والبارحة

الحرير/

بقلم: كمال فتاح حيدر

في الثمانينات كان اخي (جيم) ضعيفا نحيلا، معتل الصحة. لا طاقة له على خوض غمار المعارك المهلكة، وما ان انتهت المدة المقررة لاجازته الدورية حتى قرر التخلف عن الالتحاق بوحدته الحربية. .
أراد ان يستنشق طعم الحرية، فنصب له كشكا صغيرا في سوق الأبلة بمنطقة المعقل بالبصرة لبيع ألعاب الأطفال. .
كان صاحب محل الخضروات (عين) يدرك بفطرته الخبيثة ان (جيم) لم يلتحق بالجبهة، فذهب بنفسه إلى مقر دائرة الانضباط العسكري كي يبلغهم بهروب (جيم) وفراره من الجبهة، لم يكن (عين) حزبيا ولا عنصرا امنيا، بل كان متطوعا للانتقام من (جيم) رغم عدم وجود اي خلاف بينهما. .
وهكذا تحرك رجال الانضباط نحو (جيم) والقوا القبض عليه، ثم اصطحبوه مكبلا بالأصفاد. ونقلوه الى مكان مخصص للهاربين في معسكر الدريهمية. .

يعلم الله كيف كانوا يتعاملون معه في جلسات التحقيق والتعذيب قبل إرساله إلى وحدته في الجبهة. .
فلجأت إلى المقدم المهندس (حاء) الذي يعمل في ثكنة حربية قريبة من الدريهمية، ويتظاهر دائما بالنخوة والمروءة. . طلبت منه الوقوف معنا ومساعدتنا بحكم العشرة والجوار، فطمأنني. قال: ابشر بالخير. . سوف أذهب بنفسي لرعاياته والاهتمام به. .

وفي يوم من الايام قررت الذهاب بنفسي إلى معسكر الدريهمية للاطمئنان عليه في موعد مخصص للمواجهة، فخرج علينا زاحفاً مرتعشاً. لا يقوى على الحركة، وقد بان عليه الضعف والنحول. وبدت عليه أعراض الأمراض والإرهاق. ثم سقط على الارض باكيا من شدة الألم. .
قال: لقد كانت الأمور تجري في الايام الاولى حسب السياقات المتعارف عليها. ثم أخضعوني للضرب الليلي المبرح بناءً على توصيات المقدم (حاء) الذي طلبتم منه مساعدتي، فكانت مساعدته بمضاعفة جرعات الضرب والتعذيب. .

حدث هذا قبل عام 2003، حين كان الناس والجيران هم الذين يتسابقون للوشاية، ويتلذذون بتعذيب اقرب الناس اليهم. فهل تغيروا الآن ؟. وهل اصبحوا اكثر وعياً ونضجاً وشهامة ؟. أنا شخصيا لا أظن ذلك، فما حدث بالأمس يتكرر امام أعيننا هذه الايام. ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. .
أصعب أنواع التعايش أن تكون صادقًا بين الكاذبين. كريماً بين البخلاء، وفياً وسط الغادرين، صائنا للعشرة وسط المنافقين. .

كلمة اخيرة: سقى الله كل مؤذٍ من نفس الكأس الذي قدمه لغيره، ورزقه أضعاف نواياه، ليعلم كل شخص بأنه سيذوق مرارة ما اقترف. .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

مقولة السيدة زينب عليها السلام تتجلى في توديع وتشییع الإمام الشهید الخامنئي( ره)

الحرير/بقلم/د. محمد العباديفي اليوم التالي من وقعة عاشوراء الحمراء أقتيد النساء والأطفال وهم موثقون بالحبال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *