مازلنا نعيش أجواء الهيعة

الحرير/

بقلم: كمال فتاح حيدر

في ستينيات القرن الماضي مَنح سكان المعقل في البصرة لقب (ابو الهيعة) على عملاق مجنون يدعى (مهدي). .
كان (مهدي ابو الهيعة) معروفا بصخبه وضجيجه في كل نهار لكنه يغيب ليلا عن الأنظار. . يحمل تحت إبطه علبة صفيح، يضرب عليها بإيقاعات متقنة، يردد أغنية فريد الاطرش: (يا عواذل فلفلوا، ما قال لي وقلت لو، ومال لي وملت لو، وجاني ورحت لو). فيتبعه الصغار مهرولين بين البيوت والأزقة، يصفقون يتراقصون يتقافزون بلا توقف. كانوا يظنون ان الاغنية من كلماته وألحانه. .

ربما يرى البعض ان مفردة (هيعة) عامية دارجة، لكنها في حقيقة الأمر موثقة في معاجم اللغة، وتعني الصوت المُفزع أو الضجة المزعجة. .
مصدر فعلها (هاعَ)، وتُطلق على كل صوت مخيف، أو ضجة مفتعلة ترعب الناس وتسبب لهم الهلع. خاصة إذا كانت تنذر باقتراب عدو، أو وقوع كارثة، أو فتنة مفاجئة تجتاح المجتمع على حين غرة. .

أحياناً تلجأ الحكومات إلى اختلاق (هيعة) تلهي بها الشعوب، وتشغلهم وتؤثر عليهم. .
وقد تأتي الهيعة بصيغة فقاعة إعلامية. أو على شكل إشاعة، أو حوادث مفتعلة. وأحيانا تأتي على شكل أزمات أو صدمات متعاقبة كاستراتيجية سياسية تُعرف بهندسة الصدمات، وذلك حين تقوم الدولة بتصنيع أو تضخيم مشكلات داخلية أو خارجية بهدف تحقيق غايات خفية. وأحياناً تلجأ للهيعة كي تصرف انتباه الشعب عن قضايا محلية مرعبة على غرار حملات سحب الجنسية، أو لتمرير قرارات ارتجالية طائشة، أو للتغطية على فشلها بفرض حالة من الفوضى الجماهيرية. .

استعانت الدولة في الماضي بفكرة (الهيعة) لتوريط الناس بنهب الممتلكات الخاصة بذريعة الحفاظ على ثبات الأسعار في أسواق المناطق الفقيرة، فأرسلت عناصر أمنها الاقتصادي إلى الدكاكين للتحري عن أسعار الزيت والدقيق والشاي والسكر. وما ان يكتشفوا وجود ثغرة (مهما كانت بسيطة) حتى يدعوا الناس لنهب محتويات الدكان، فيهرع الطامعون وراء الهيعة لكنس الرفوف والمخازن لتصبح قاعا صفصفا. ثم يواصلوا غاراتهم المدعومة من الدولة لنشر (الهيعة). .
وفي يوم من الايام وصلت حمى (الهيعة) إلى سرقة قضبان سكك الحديد، وسرقة أغطية منظومات الصرف الصحي، وسرقة قابلوات كهرباء الضغط العالي، وسرقة المتاحف والمواقع الأثرية، وتخريب المؤسسات الخدمية. .
قِمَّةُ الإحباط أَنْ تعصف بنا رياح الفوضى مِن كل الاتجاهات، حتى أَصْبَحنا مُرهَقين متعبين بسبب تراكم الهيعات التي لَا تُرِيدُ أَنْ تَنْتَهِيَ. .

رحل عن عالمنا (مهدي ابو الهيعة أو مهدي المسودن) من دون ان نشعر برحيله، لكنه كان رمزا من رموز الهيعة التي تطورت وتشعبت حتى صارت من ثوابت الطغيان والإستبداد والتعسف. . .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

العزف على موال خور عبدالله

الحرير/ بقلم: كمال فتاح حيدر لا يختلف اثنان على حق العراق في التمدد والتوسع والتعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *