أخبار عاجلة

العراق وتشييع الشهيد السيد علي الخامنئي… حين تصنع الجغرافيا المقدسة السياسة

الحرير/
بقلم: عامر جاسم العيداني
ليست كل الأحداث الكبرى تقاس بحجمها السياسي وحده فبعضها يكتسب قيمته من المكان الذي يحتضنه ومن الذاكرة التي يستدعيها ومن الرمزية التي يختزنها. والعراق منذ أكثر من ألف عام لم يكن مجرد دولة في قلب الشرق الأوسط بل كان موطن الحوزة العلمية وأرض الإمام علي بن أبي طالب ومسرح النهضة الحسينية والمرجع الذي تعود إليه الذاكرة الشيعية كلما أرادت استحضار جذورها التاريخية والروحية.
من هنا فإن تشييع الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي في العراق لا يمثل مجرد مراسم وداع لقائد ديني وسياسي بل حدثا تاريخيا تتداخل فيه الأبعاد الدينية والرمزية والسياسية ليؤكد أن العراق ما زال يحتفظ بمكانته بوصفه القلب الروحي للتشيع وأن الجغرافيا المقدسة ما تزال قادرة على منح الأحداث الكبرى معناها الأعمق.
لقد شكل اغتيال الشهيد السيد علي الخامنئي لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، فحين تستهدف شخصية دينية بهذا الوزن فإن الحدث لا يقتصر على فقدان قائد للدولة أو مرجع ديني بل يمس الوجدان الجمعي لملايين المؤمنين الذين يرون في هذه الشخصيات امتدادا لمسيرة علمية ودينية وسياسية امتدت لعقود. ولهذا فإن آثار الاغتيال لا تتوقف عند لحظة وقوعه وإنما تمتد إلى الذاكرة الدينية والسياسية لتصبح جزءا من التاريخ الذي تتناقله الأجيال وتعيد قراءته وفق تحولات الزمن.
وقد يتساءل البعض: لماذا العراق؟
الجواب لا يكمن في الجوار الجغرافي ولا في طبيعة العلاقات السياسية بل في المكانة الرمزية التي لا ينازع العراق فيها مكان آخر فمن النجف الأشرف انطلقت المرجعيات الكبرى وفي كربلاء سطرت أعظم ملحمة في الوعي الإسلامي وعلى أرض العراق ازدهرت مدارس الفقه والفكر وتكوّن الإرث العلمي الذي أصبح مرجعا لملايين المسلمين عبر القرون.
ولهذا فإن إقامة مراسم التشييع في العراق تمنح الحدث بعدا يتجاوز الجنازة نفسها فهي تعيد التأكيد على أن النجف وكربلاء ليستا مدينتين مقدستين فحسب بل هما مركزا الشرعية الروحية والذاكرة التاريخية والملتقى الذي تتوحد عنده مشاعر المؤمنين رغم اختلاف أوطانهم.
وسيكون المشهد عراقيا بامتياز بحضور شعبي واسع يعكس ارتباط العراقيين بالمناسبات الدينية الكبرى وحضور رسمي يجسد مسؤولية الدولة في إدارة حدث استثنائي بهذا الحجم ولن يكون ذلك مجرد تنظيم لمراسم عزاء بل تأكيدا على أن العراق يمتلك الخبرة التاريخية والقدرة التنظيمية التي تؤهله لاحتضان أكبر المناسبات الدينية في العالم.
غير أن أهمية الحدث لا تتوقف عند الطقوس، فالطقوس في المجتمعات الحية ليست مجرد تعبير عن الحزن بل وسيلة لإعادة إنتاج الهوية الجماعية وترسيخ الذاكرة المشتركة فالرايات والمواكب والمراثي وحركة الملايين كلها تتحول إلى خطاب بصري وثقافي يؤكد استمرار الانتماء ويمنح الأجيال الجديدة صلة متجددة بتاريخها ورموزها.
ومن هنا فإن تشييع الشهيد السيد علي الخامنئي يحمل أيضا رسالة سياسية ورمزية ليس لأنه مناسبة لإطلاق المواقف وإنما لأن المكان الذي يحتضنه هو نفسه الذي يحتضن المرجعية التاريخية للتشيع. فالجغرافيا المقدسة ليست مجرد أرض بل عنصر فاعل في تشكيل الوعي وقوة ناعمة تؤثر في النفوس قبل أن تؤثر في حسابات السياسة.
وفي الداخل العراقي يعيد هذا الحدث طرح أسئلة جوهرية حول موقع العراق في المعادلة الإقليمية ودوره بوصفه مركزا دينيا وحضاريا، وحول العلاقة بين الدولة والمرجعية وبين الهوية الوطنية والامتداد الحضاري الذي تمثله النجف وكربلاء.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تقاس بعدد المشاركين ولا بطول أيام العزاء بل بالرسالة التي يبعث بها المكان نفسه. فالعراق الذي احتضن مراقد الأئمة والعلماء على امتداد تاريخه يثبت مرة أخرى أن الجغرافيا ليست مجرد حدود مرسومة على الخرائط وإنما ذاكرة حية تمنح الأحداث رمزيتها وتصنع لها مكانا في التاريخ.
وهكذا قد تنتهي مراسم التشييع بانتهاء أيامها لكن أثرها سيظل حاضرا في الذاكرة الدينية والسياسية فبعض الأحداث لا يخلده ما يكتب عنه فحسب بل الشخصية التي يرتبط بها والمكان الذي يحتضنه وما يتركه من أثر في وجدان الشعوب.
وسيبقى العراق كما كان عبر القرون الأرض التي تتحول فيها المناسبات الكبرى إلى شواهد على استمرار التاريخ وإلى دليل على أن الأمم تبنى بقوة ذاكرتها بقدر ما تبنى بقوة حاضرها.

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

الأثْوَل و ابو وجه الفاهي

الحرير/ بقلم: كمال فتاح حيدر الأثْول (بفتح الهمزة وسكون الثاء) في معاجم اللغة العربية هو: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *