الحرير/
بقلم/سلوان إحسان
العراق / البصرة
لنخلع أردية الخصومة الضيقة، ولنطهر العقول من غبار التحريض الذي أعمتنا به رياح السياسة، ولنقف بوقار العقل أمام مرآة السنن الإلهية التي تحكم حركة الأمم وصراع الوجود.
إن قراءة المشهد الزلزالي الذي قد يتبع سقوط طهران كقوة إقليمية ، لا ينبغي أن تُقارب بلغة التشفي أو الأماني الساذجة، بل بلغة البصيرة التي أمرنا بها القرآن الكريم في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}. والبصيرة هنا هي القدرة على رؤية المآلات قبل وقوعها، وفهم أن الكون لا يدار بالعواطف، بل بـقانون التدافع بحسب قول السيد محمد باقر الصدر الذي وضعه الخالق صمام أمان للأرض في قوله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}.
إن هذا الدفع هو جوهر توازن القوى فوجود قطب قوي في الشرق بقطع النظر عن هويته السياسية هو الذي يمنع الفساد الكبير ( اسرائيل ) و المتمثل في انفراد قوة طاغوتية مستكبرة بمقدرات أمة برمتها.
إن العقل الذي تشكل في محراب مدرسة أهل البيت، تلك المدرسة التي علمتنا أن العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس . يفرض علينا أن ندرك أن سقوط الدولة الإيرانية وانفراط عقدها ليس مجرد تبدل في الوجوه، بل هو نقض لغزل المنعة الجغرافية.
إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يضع لنا قاعدة ذهبية في السياسة والاجتماع بقوله: “استدلّ على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه )
فإذا نظرنا في تاريخ المنطقة القريب والبعيد، سنجد أن غياب المركز القوي لم يفتح يوماً أبواب الجنان، بل شرع أبواب الفوضى التي هي الجند الأوفى لعدو يتربص بالجميع.
إن زوال هذا (الترس الجغرافي) يعني بالضرورة تمدد المشروع الصهيوني ليكون هو الآمر والناهي بلا منازع، محققاً نبوءة العلو الكبير التي حذر منها القرآن، حيث يغدو الجميع في نظره مجرد ( أتباع ) لا ( شركاء) .
بمنطق المدرسة القرآنية، إن الاستكبار لا يرضى من الشعوب إلا بالخضوع المطلق: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. والملة هنا في المعنى السياسي المعاصر هي التبعية الكاملة والارتهان الاقتصادي والأمني. وحين تسقط القوة التي تمنح المنطقة توازنها، سيفقد العرب “صك قيمتهم الاستراتيجية”. فالعقل السياسي الرشيد يدرك أن “إسرائيل” لا تجلس على طاولة المفاوضات مع العواصم العربية حباً في السلام، بل اضطراراً بسبب وجود ( ندٍّ) قوي يمنعها من حسم المعركة بالضربة القاضية. فإذا تلاشى هذا الند، انتفت الحاجة للصديق، وصارت الشعوب العربية في منطق القوة الصهيونية مجرد مخازن طاقة وأسواق استهلاكية لا تملك حق الرفض. إن سقوط طهران هو إعلان لليتم الاستراتيجي العربي، حيث يجد العرب أنفسهم مكشوفي الظهر، بلا ظهير يحمي موازين القوى، ولا ورقة مناورة يساومون بها القوى الكبرى.
علاوة على ذلك ، فإن المنطق القرآني يحذرنا من الفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا خاصة ، بل تحرق الأخضر واليابس: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}. إن انهيار السلطة المركزية في إيران سيؤدي إلى انفجار الفسيفساء العرقية والقومية، مما سيحول الهضبة الإيرانية إلى ثقب أسود من الفوضى ، تنطلق منه نيران ستأكل ثياب الجار قبل دار صاحبها. ستتحول المنطقة إلى بؤر صراع طائفي وعرقي يستنزف طاقات المسلمين لعقود، بينما يراقب العدو من أبراج علوه، يدير الفوضى الخلاقة التي تفتت العضد وتشتت الجمع.
إن مدرسة أهل البيت علمتنا أن الوحدة هي أصل المنعة، وأن التشظي هو مدخل الشيطان ، فكيف يصفق عاقل لهدم ركن من أركان القوة في بلاد المسلمين، ظناً منه أنه سينجو بنفسه؟
إنها ( فيزياء الوجود) التي لا تعرف المجاملة ، فمن يكسر عمود خيمته لأن لونه لا يعجبه، سيسقط السقف على رأسه حتماً.
إن مصلحة الأمة، بالمنطق العقلي والشرعي، تكمن في الحفاظ على “بيضة الإسلام ومنع تفتت الدول الكبرى فيها. إن وجود إيران قوية ومتماسكة، هو الجدار الأخير الذي يمنع الطوفان الصهيوني من إغراق المنطقة من النيل إلى الفرات. إننا أمام معركة “بصيرة” تتجاوز الخلافات الفقهية والسياسية، فالمسألة اليوم هي مسألة بقاء أو فناء. إن الحكمة تقتضي أن نقرأ الخريطة بعين ( المصلحة العليا) وأن نعلم أن القوة التي تقف في وجه الاستكبار العالمي هي قوة للمنطقة بأسرها، حتى لو اختلفنا معها في التفاصيل.
ختام القول وليس أخره ، إن القرآن الكريم يطالبنا بإعداد القوة لا من أجل الحرب فحسب، بل من أجل الإرهاب (بمعنى الردع) لعدو الله وعدونا: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}. وتوازن القوى القائم اليوم هو نوع من هذا الردع الضروري.
إن التفريط في هذا التوازن ليس نصراً سياسياً، بل هو انتحار استراتيجي وتفريط في أمانة الله في الأرض. إن الحفاظ على إيران كقوة إقليمية متوازنة هو في الحقيقة دفاع عن مكة والقاهرة وبغداد والرياض، لأنه دفاع عن تعدد الأقطاب ومنع لسيادة “القطب الواحد” الذي لا يرى في العرب والمسلمين إلا أدوات لتحقيق أحلامه التوسعية. إنها دعوة للعودة إلى منطق العقل المستنير بنور الوحي، الذي يدرك أن زوال الخصم القوي ليس دائماً نصراً، بل قد يكون هو الخطوة الأولى نحو العبودية المطلقة لعدو لا يرحم.
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة