الحرير/
بقلم: كمال فتاح حيدر
إن اطلت النظر في ملامح مدينة الفاو أطالت هي أنظارها اليك. .
الناس هنا يقفون منذ زمن بعيد على عتبة الحياة. امام باب لا يُفتح.
هناك في هذه المدينة التي لا تشبه مدن العراق. عند ساحل تراكمت فوقه الأطيان كأن المدينة نفسها خرجت من خارطة الرافدين بعدما نُزعت عنها الذاكرة. لا شيء فيها يصلح أن يكون وطناً. .
يتحدث العراقيون بحماس هذه الأيام عن الفاو، حتى اضحت عنوانا يوميا لمعظم مشاريعهم الوهمية، ومشاريعهم الأخرى المثيرة للجدل، لكنها في حقيقة الأمر في امس الحاجة لمن يسعفها بشربة ماء تطفئ به ظمأها. وهكذا ظلت متأرجحة بين الحرمان والتهميش. .
مدينة جمعت الأضداد كلها فكانت مسرحاً للتناقضات، ربما لأنها بلا بوابات حدودية موصدة، أو لأنها اقرب المدن إلى المدارات الجوية الخانقة. .
كانت فيها معتقلات لكبار السياسيين في الحقبة الملكية. وكانت ملاذا للبسطاء والمسالمين الباحثين عن الهدوء والاستقرار، لكنها كانت في الوقت نفسه وكراً لعصابات التهريب والمتاجرين بالممنوعات، فهي تحتضن خور عبدالله وتجاور خور الديلم. ومع ذلك ظلت تشكل نافذة للصيادين ومنطلقاً للمغامرين. .
لا ريب ان صورتها قبل عام 1980 تختلف تماما عن صورتها الآن. .
لقد ارتبط اسمها قديما بالتجارة الدولية، وكانت لها علاقات عميقة مباشرة بشركة الهند الشرقية. يمر بها قابلو التلغراف الذي يربط أوروبا ببلاد البنجاب. وكانت أولى الثكنات البريطانية في الحرب العالمية الاولى. .
لكنها مازالت تعيش سنوات المعارك الطاحنة. . تشعر عندما تزورها الآن ليلا او نهارا انها خاضعة لمنع التجوال، حيث تصل فيها حرارة الجو إلى درجة الانصهار.
تغلغلت في دروبها عوامل التعرية الجغرافية، وتصاعدت في مياهها أعمدة الملح حتى بلغت السقف الأعلى، وتسللت رطوبة رياح (الكوس) الى واجهات بيوتها المبللة بقطرات التعرق الساخن فانتزعت ألوانها. .
مدينة بلا اوكسجين وبلا رياح وبلا غيوم حتى في موسم الشتاء. .
قديما كانت تحمل صولجان السيطرة الملاحية في شط العرب فتتحكم بالسفن الأجنبية العملاقة القادمة والمغادرة، كانت هي المسؤولة عن إنارة الفنارات في الممرات البحرية، وهي المعنية بتهذيب الأعماق ورفع الترسبات وصيانة الشواطئ. لكنها أحيلت إلى التقاعد القسري بسبب ضراوة القصف الصاروخي والمدفعي. .
حينما تزورها الآن تشعر انها مدينة اشباح، وكأنها خاوية على عروشها، أما إذا كنت ترغب بشراء الأسماك فلا تحتاج لمن يدلك على مرسى القوارب. فالروائح المنبعثة من (النقعة) كفيلة بإرشادك اليها دونما حاجة إلى GPS حتى لو كانت سيارتك مقفلة الأبواب. .
ختاماً: هل تصدق انها كانت من اشهر وأكبر القلاع المينائية منذ اعتزال واصل بن عطاء وحتى الشهر التاسع من عام 1980 ؟. وكانت تعج بالنشاطات الصناعية والزراعية والترفيهية ؟. فالصورة البائسة التي تراها الآن تختلف تماما عن صورتها الناصعة في الماضي القريب. .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة