حرب الطاقة في الشرق الأوسط

الحرير/

بقلم / المهندس الاستشاري
زكي الساعدي

يشهد العالم تحولًا جذريًا في خارطة الصراعات الجيوسياسية، حيث أصبحت الطاقة، وتحديدًا الغاز الطبيعي، محورًا استراتيجيًا تتقاطع عنده المصالح الاقتصادية والسياسية. يعدّ شرق البحر الأبيض المتوسط أحد أغنى أحواض الغاز في العالم، وتمثل دول مثل فلسطين وسوريا ولبنان أمثلة حيّة على الإمكانات الواعدة التي تعرقلها التحديات ونود استعراض الدول الثلاثة المحورية في الصراع الدولي بالصورة التالية .

فلسطين: إمكانات غازية مُعطّلة

تمثل فلسطين جزءًا من حوض شرق المتوسط، الغني باحتياطيات الغاز الطبيعي المكتشفة وغير المكتشفة.
حقل غزة مارين: يُعد هذا الحقل المكتشف عام 2000 من أهم موارد الغاز الفلسطينية، باحتياطيات تُقدّر بـ1.1 تريليون قدم مكعب. ومع ذلك، لا يزال تطويره معلقًا بسبب الحصار الإسرائيلي والخلافات السياسية.
المياه العميقة قبالة غزة: تشير التقديرات الجيولوجية إلى وجود مكامن إضافية للغاز بالقرب من حقل غزة مارين.
الضفة الغربية والمناطق الداخلية: تُظهر الدراسات احتمالية وجود تراكمات صغيرة من الغاز أو النفط، خاصةً في جنوب الضفة ومنطقة البحر الميت.

التحديات أمام استغلال الغاز الفلسطيني
1. السيطرة الإسرائيلية: تعرقل إسرائيل تطوير أي مشاريع للغاز، من خلال فرض هيمنتها على المياه الإقليمية الفلسطينية.
2. النقص في البنية التحتية: تواجه فلسطين تحديات تقنية ومالية تعيق قدرتها على التنقيب والإنتاج.
3. الأوضاع السياسية والاقتصادية: يفرض الانقسام الداخلي وتبعية الاقتصاد الفلسطيني عوائق إضافية أمام الاستثمار في هذا القطاع.

سوريا: ثروات غازية في قلب الأزمات

تمتلك سوريا موارد غازية هائلة تمتد عبر برّها ومياهها الإقليمية.
الساحل السوري والمياه الإقليمية: تُظهر الدراسات الجيولوجية إمكانات كبيرة لاحتياطيات غازية، خاصةً في المناطق المحاذية للحقول اللبنانية المكتشفة.
المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة): تضم هذه المنطقة حقولًا كبرى مثل حقل العمر وكونيكو، مع احتمالات وجود مكامن غير مكتشفة.
المنطقة الجنوبية والشمالية الشرقية: تُشابه جيولوجيًا مناطق في الأردن والعراق التي تحتوي على تراكمات غازية كبيرة.

عقبات تعيق الاستفادة من الغاز السوري
1. الأزمة السياسية والعسكرية: النزاعات المسلحة وتوزع السيطرة بين القوى المحلية والدولية تُعقّد عمليات التنقيب والإنتاج.
2. العقوبات الاقتصادية: تفرض العقوبات الدولية قيودًا صارمة على استثمارات الشركات الأجنبية في سوريا.
3. تدمير البنية التحتية: أدت الحرب إلى انهيار شبكات الطاقة، مما يجعل تطوير قطاع الغاز مكلفًا للغاية.

لبنان: الغاز كأمل اقتصادي مؤجل

يمتلك لبنان إمكانات غازية كبيرة، لا سيما في مناطقه البحرية ضمن حدوده الاقتصادية الخالصة.
البلوكات البحرية: يُعتبر البلوك 9 من أكثر المناطق الواعدة، خاصة بعد حل النزاع الحدودي مع إسرائيل في عام 2022. بالإضافة إلى البلوكات الجنوبية والشمالية، التي تشير الدراسات إلى غناها بالغاز.
منطقة الترانسفير: تقع بين لبنان وقبرص، وهي امتداد طبيعي للحقول الكبرى المكتشفة مثل “أفروديت”.

التحديات التي تواجه لبنان
1. النزاعات الحدودية: رغم حل بعض الخلافات مع إسرائيل، لا تزال هناك توترات تعيق استغلال بعض المناطق.
2. نقص الدراسات والتقنيات: يعاني لبنان من قلة الدراسات الزلزالية، إلى جانب افتقاره إلى القدرات التقنية الكافية.
3. أزمة البنية التحتية: ضعف البنية التحتية في لبنان يُعد عائقًا أمام الاستثمار في قطاع الغاز.

حرب الغاز في حوض البحر المتوسط : من صراع إلى فرصة؟

تشكل ثروات الغاز في فلسطين وسوريا ولبنان نقطة التقاء للصراعات الإقليمية والدولية.
التنافس الإقليمي: تسعى دول مثل تركيا، إسرائيل، ايران ،وقبرص وقطر إلى بسط سيطرتها على موارد الغاز، من خلال اتفاقيات بحرية تعيد رسم خرائط النفوذ.
التدخلات الدولية: تلعب القوى الكبرى دورًا مزدوجًا؛ فهي تسعى لاحتواء الصراعات لكنها أيضًا تستخدم الطاقة كأداة لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
فرص التعاون: في حال توفر إرادة سياسية، قد تتحول موارد الغاز إلى عامل توحيد يعزز الاستقرار عبر شراكات اقتصادية إقليمية.

في النهاية، نحن اليوم امام حرب المشاريع الكبيرة والتي تستخدم ثروات الغاز الطبيعي ليست كمجرد موارد اقتصادية، بل هي أيضًا أدوات قوة تُعيد تشكيل العلاقات الإقليمية والدولية ومراكز النفوذ ، مما يجعل استغلالها بحكمة ضرورة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.

كولالمبور ٧-١٢-٢٠٢٤

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

إذا كان هذا مرشحكم فلماذا تحاربونه ؟

الحرير/ بقلم: كمال فتاح حيدر لم تمض سويعات على اختيار مرشح الاطار لرئاسة الوزراء حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *