أخبار عاجلة

من هو داستن بورييه؟ البطل الغير متوج

الحرير/

الكاتبة / فرح عصام العبدالله

وَإِنَّي وَإِنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمَانُهُ … لآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأوَائِلُ
يَعِيشُ الفَتَى بِالمَجْدِ لَا بِتَاجِهِ … وَيَبْقَى الثَّنَاءُ إِذَا تَوَلىَّ المَحَافِلُ

من قاع الشوارع إلى صالة الملاكمة

وُلد داستن بورييه عام 1989 ونشأ في كنف عائلة فقيرة من أصول فرنسية، وتربّى مع والدته وجدته بعد انفصال والديه. اتسمت طفولته بالتمرد والشغب، فكان متورطاً بشكل دائم في شجارات الشوارع. وبسبب كثرة مشاكله وسلوكه العنيف، ترك المدرسة في الصف التاسع من المرحلة المتوسطة، وقضى فترة من حياته في منشأة لإصلاح الأحداث.
وكانت نقطة التحول في حياته عندما دخل إلى صالة الملاكمة المحلية وبدأ بتفريغ غضبه وطاقته بشكل إيجابي، وهناك أدرك أن القتال هو هويته ومستقبله.

البدايات قبل المجد والشهرة

بدأ داستن مسيرته الاحترافية عام 2009، وخاض نزاله الأول في مايو من العام نفسه، حيث هزم آرون سواريز بالضربة القاضية في الجولة الأولى. وهيمن على البطولات المحلية في لويزيانا، وحقق سجلاً نظيفاً بلغ 7 انتصارات دون هزيمة (7-0)، وانتهت معظم انتصاراته في الجولة الأولى بالضربة القاضية أو الاستسلام. كما ظهرت كواليس بداياته في الفيلم الوثائقي Fightville.
وفي عام 2010، لفت الأنظار وتعاقدت معه منظمة WEC الشهيرة.
وكانت خسارته الأولى في ظهوره الأول ضمن حدث WEC 50، عندما واجه المقاتل داني كاستيلو وخسر بقرار الحكام بالإجماع، بعد نزال قوي.
ومن ثم عاد سريعاً في حدث WEC 52، وهزم زاك ميكلويرت بالضربة القاضية خلال 53 ثانية فقط من الجولة الأولى.وعقب هذا النزال، اندمجت منظمة WEC رسمياً مع منظمة UFC، لينتقل داستن إلى المسرح الأكبر عالمياً.

فئة وزن الريشة (2011–2014)

بدأ داستن رحلته في الـUFC بفوزه على جوش جريسبي في بطاقة UFC 125، وواصل سلسلة انتصاراته أمام جيسون يونغ وبابلو غارزا، قبل أن يحقق انتصاراً لافتاً على ماكس هولواي بالاخضاع عند الدقيقة الثالثة من الجولة الأولى، في بطاقة UFC 143.
ورغم تعثره أمام تشان سونغ جونغ، عاد إلى الانتصار امام جوناثان بروكنز ، ثم شهدت مسيرته بعض التذبذب بعد خسارته أمام كوب سوانسون، قبل أن يستعيد توازنه بثلاثة انتصارات متتالية.

وبعد سلسلة انتصاراته، واجه داستن النجم الإيرلندي كونور ماكغريغور في حدث UFC 178. وعندها خسر بورييه بالضربة القاضية الفنية في الجولة الأولى، بعد دقيقة واحدة فقط. هذه الهزيمة القاسية جعلت داستن يدرك أن جسده يعاني من ضغط شديد بسبب خفض الوزن، فقرر عندها الصعود إلى فئة الوزن الخفيف.

الألماس يلمع تحت الضغط: ملحمة الوزن الخفيف (2015–2018)

شهد هذا الوزن النسخة الأقوى والأشرس من داستن بورييه. ففي بداياته، حقق أربعة انتصارات متتالية ثلاث منها كانت بالضربة القاضية ، أبرزها أمام دييغو فيريرا وبوبي غرين. وبعدها تعرض لخسارة مفاجئة بالضربة القاضية أمام مايكل جونسون عام 2016، لكنها كانت العثرة الأخيرة قبل انطلاق «السلسلة الدموية».
حيث دخل بورييه في سلسلة من أعنف النزالات في تاريخ اللعبة، وحقق انتصارات حفرت اسمه بوصفه أحد أشرس المقاتلين.
حيث هزم بطل العالم السابق أنتوني بيتيس بالإخضاع ، بعد قتال دامٍ.
وهزم جاستن غيثي بالضربة القاضية الفنية في الجولة الرابعة، في نزال نال جائزة أفضل نزال.
وهزم بطل العالم السابق إيدي ألفاريز بالضربة القاضية الفنية في الجولة الثانية.
وفي عام 2019، وبسبب غياب بطل الفئة حبيب نورماغوميدوف، واجه بورييه خصمه القديم وبطل وزن الريشة السابق ماكس هولواي في حدث UFC 236، على حزام الوزن الخفيف المؤقت.
وبعد خمس جولات من الحرب الشرسة وتبادل اللكمات الأسطوري، فاز بورييه بقرار الحكام بالإجماع، وتُوّج بطلاً مؤقتاً لفئة الوزن الخفيف في الـUFC.
وبعدها واجه داستن البطل المطلق حبيب نورماغوميدوف في أبوظبي، ضمن حدث UFC 242. ورغم محاولة بورييه إخضاع حبيب بحركة الـGuillotine، التي كادت أن تنهي اللقاء، فإن حبيب أفلت منها وتمكن من إخضاع بورييه في الجولة الثالثة بالخنق الخلفي.

ومن ثم عاد بورييه في نزال عُدّ من أعنف النزالات في تاريخ اللعبة خلال فترة غياب الجماهير بسبب جائحة كورونا، أمام دان هوكر، وفاز بقرار الحكام بعد 25 دقيقة من الصمود الخيالي.
وفي عام 2021، رتّبت المنظمة نزالاً آخر جمع بين داستن بورييه وكونور ماكغريغور في حدث UFC 257. وفي هذا النزال، ثأر بورييه لهزيمته القديمة وصدم العالم عندما أصبح أول مقاتل يسقط كونور ماكغريغور بالضربة القاضية الفنية، في الجولة الثانية.
وبعد ذلك، وفي حدث UFC 264، أُقيم النزال الثالث بينهما. وفي هذا النزال، سيطر بورييه تماماً خلال الجولة الأولى، قبل أن ينتهي اللقاء بإيقاف طبي بعد تعرض كونور ماكغريغور لكسر في ساقه، ليفوز داستن مجدداً، ويُنهي العداوة لصالحه بنتيجة (2-1).

الحزام الذي استعصى على البطل

في عام 2021، نافس داستن على الحزام الشاغر في حدث UFC 269 أمام تشارلز أوليفيرا. وأسقط أوليفيرا في الجولة الأولى، لكن البرازيلي عاد بمهارته الأرضية وأخضع داستن في الجولة الثالثة.
ثم عاد في عام 2022 لينتصر على المقاتل العنيف مايكل تشاندلر عبر الإخضاع في الجولة الثالثة، في نزال دامٍ وممتع.
وفي عام 2023، عاد لينافس على لقب الـBMF أمام جاستن غيثي، لكنه خسر أمام جاستن في نزالهما الثاني عبر ضربة رأسية قاضية (Head Kick) في الجولة الثانية.
ثم عاد بورييه بقوة في حدث UFC 299، ليهزم المقاتل الفرنسي الصاعد والشرس بينوا سان دوني بالضربة القاضية في الجولة الثانية.
وفي فرصته الأخيرة عام 2024، واجه داستن بطل الوزن الخفيف المهيمن إسلام ماخاتشيف في حدث UFC 302. وقدم بورييه دفاعاً مذهلاً ضد إسقاطات إسلام، وصمد حتى الجولة الخامسة والأخيرة، حيث تمكن إسلام من إخضاعه بحركة خنق دارس (D’Arce Choke)، بعد قتال أسطوري نال احترام العالم وجائزة أفضل نزال في الليلة.

الرقصة الأخيرة والاعتزال – يوليو 2025

قرر داستن بورييه تلبية رغبة الجماهير وخوض نزال وداعي أخير في مسقط رأسه بولاية لويزيانا، حيث التقى للمرة الثالثة في مسيرته مع الأسطورة ماكس هولواي، في مدينة نيو أورلينز ضمن حدث UFC 318، للدفاع عن حزام الـBMF التكريمي.
تبادل المقاتلان القتال الواقف والشرس على مدار خمس جولات كاملة، وجاءت الإحصائيات لصالح هولواي، الذي تفوق في عدد الضربات المسددة .
وفي النهاية، خسر داستن النزال بقرار الحكام بالإجماع. ووسط تحية وتصفيق حار وهتافات هزّت الصالة من 18 ألف مشجع، خلع داستن بورييه قفازاته ووضعها في وسط القفص، معلناً نهاية مسيرة تاريخية مكللة بالشرف، حقق خلالها 30 فوزاً وتلقى 10 هزائم، إضافة إلى نزال واحد دون قرار (NC).

أسلوب بورييه القتالي: ما الذي جعل بورييه فريداً؟

إن الرياضة الأساسية والأبرز التي يتفوق فيها داستن بورييه هي الملاكمة (Boxing)، حيث يُصنّف كأحد أفضل الملاكمين في تاريخ فئة الوزن الخفيف في الفنون القتالية المختلطة. وحصل على الحزام الأسود في الجوجيتسو البرازيلية (BJJ)، تحت إشراف المدرب تيم كريديور. وكان يتبنى مصطلح الـ”Thugjitsu” كعقيدة قتالية وعلامة تجارية تميز أسلوبه الشرس داخل القفص
وكان لديه أسلوبه القتالي الهجومي الذكي داخل القفص كان يعتمد على التكتيكات التالية:
أولاً: وقفة الأعسر (Southpaw)
كان داستن يقف دائماً بالقدم اليمنى إلى الأمام واليسرى إلى الخلف، مما يصعّب المهمة على المقاتلين أصحاب الوقفة التقليدية، ويمتلك لكمة مستقيمة يسارية خاطفة ومدمرة.
ثانياً: أسلوب الدفاع (Philly Shell)
اشتهر بورييه باستخدام أسلوب دفاعي مستوحى من الملاكمة يُعرف باسم «شيل»، حيث يرفع كتفه الأيمن لحماية ذقنه، ويستخدم ساعديه وذراعيه لتشتيت لكمات الخصم وامتصاص الصدمات.
ثالثاً: اللكمات المتتالية المركبة (Combinations)
داستن لا يرمي لكمة واحدة؛ بل يطلق وابلاً من الضربات المتتالية، مثل اللكمات المستقيمة والخطافية (Hooks) والصاعدة (Uppercuts)، التي تنهك الخصم وتخترق دفاعه.
رابعاً: الضغط والاستنزاف
يمتلك بورييه قدرة تحمل ولياقة بدنية (Cardio) مرعبة، إلى جانب “قلب محارب”. ويعتمد أسلوبه على جر الخصم إلى حرب استنزاف دموية في الجولات المتقدمة، حيث تزداد شراسته كلما طال وقت النزال.
خامساً: حركة المقصلة (Guillotine Choke)
على الرغم من أنها حركة إخضاع في الجوجيتسو، فإن داستن يعشق محاولة قنص رقاب خصومه بهذه الحركة، سواء من الوضع الواقف أو أثناء محاولتهم إسقاطه، وهي من حركاته المفضلة هجومياً ودفاعياً.

الجانب الآخر من داستن بورييه: داستن خارج القفص

خلف كل نزال لـ”الألماسة” داخل القفص، تكمن قصة دافئة خارج القفص، بطلتها زوجته جولي بورييه ، شريكة دربه التي ساندته منذ أن كان مراهقاً فقيراً لا يملك ثمن وجبة طعام، والتي أنجب منها ابنتهما باركر وابنهما كينغستون.
وقاما معاً بتأسيس جمعيتهما الخيرية الشهيرة (The Good Fight Foundation). فبينما كان داستن يقاتل وينزف داخل القفص، كانت جولي تدير خلف الكواليس مزادات علنية لبيع معدات قتاله لمساعدة الفقراء، مستخدمةً تلك الأرباح للتبرع ببناء آبار المياه في أوغندا، وتوفير المساعدات الغذائية والطبية للعائلات المحتاجة وأطفال المدارس في مسقط رأسه بلويزيانا، ليثبت بورييه للعالم أن أعظم انتصاراته لم تكن بضرباته القاضية، بل بالأمل الذي زرعه في قلوب البشر.

الصعوبات ما بعد الاعتزال

مثل العديد من الرياضيين النخبة، واجه داستن صعوبة بالغة في التكيف مع حياة الاعتزال وفقدان هويته كمقاتل، وهو ما بدا واضحاً بعد تورطه في حادثة سُكر علني في المطار منتصف عام 2026، والتي اعتذر عنها لاحقاً، وبدأ بعدها برنامجاً للعمل على نفسه والتعافي.
وحالياً، يتواجد بورييه بصفته محللاً رياضياً رئيسياً لدى شبكة Paramount+، لنقل خبراته القتالية إلى الجماهير.

إرثٌ لا تصنعهُ الأحزمة

في نهاية المطاف، صاغ داستن بورييه مسيرة استثنائية تُوّجت بـ30 انتصاراً احترافياً و10 جوائز لأفضل نزال في الليلة.قد لا يكون داستن بورييه قد حمل حزام الوزن الخفيف المطلق بلا منازع، لكنه حقق ما هو أعظم من ذلك بكثير. إن إرث (الألماسة) لن يُقاس بذهب الأحزمة، بل بقطرات العرق والدماء التي بذلها في سبيل إمتاع الجماهير، وبالأمل الذي زرعه في قلوب الفقراء خارج القفص.
إن قصة بورييه ليست مجرد سيرة ذاتية لمقاتل، بل هي درس ملهم في كيفية تحويل الغضب إلى مجد، والفقر إلى عطاء.
قد يكون الألماسة داستن بورييه، قد غادر القفص رسمياً، لكن ضرباته القاضية ومعاركه الدموية وبصمته الإنسانية ستبقى محفورة في ذاكرة هذه الرياضة، كعنوان عريض للصلابة والشرف .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

رباعية مليئة بالتفاصيل.. كيف فك برشلونة شيفرة غلطة سراي

الحرير/ الكاتبة/ فرح عصام العبدالله فاز برشلونة الإسباني على مضيفه غلطة سراي التركي بنتيجة 4-1، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *