الحرير/
بقلم: كمال فتاح حيدر
هذه قاعدة منطقية عظيمة من قواعد الحكمة والذكاء الاجتماعي، تُنسب إلى امير البلغاء عليه السلام حين قال: (لَيْسَ كُلُّ ما يُعْرَفُ يُقالُ، وليسَ كُلُّ ما يُقالُ حَضَرَ أهلُه، وليسَ كُلُّ ما حَضَرَ أهلُهُ حانَ وقتُه، وليسَ كُلُّ ما حانَ وقتُه صَحَّ قَوْلُه).
فنحن مهما بلغنا من المعرفة ومهما تعمقت علومنا وتوسعت مداركنا في التحليل والتفسير والاستنباط والاستنتاج لن يحالفنا الحظ في رسم صورة واضحة للمشهد المعروض امام أعيننا، ولن ننجح أبدا في الاستدلال على الحقيقة مهما تراكمت لدينا الوثائق والبيانات. وبخاصة في الأمور المتعلقة بشؤوننا المضطربة. .
فكل ما يمكن رؤيته حتى الآن هو الجزء الطافي من جبل الجليد فوق سطح الماء، اما الجزء المغمور منه فلا يراه إلا القلة القليلة من الذين غير مسموح لهم بكشف المستور، وما خفي كان أعظم. .
تخيل انك تقف امام عمارة سكنية تتألف من عشرة طوابق. وفي كل طابق عشر شقق. كلها مطلة على حديقة واسعة. وشاءت الأقدار ان يحدث تصادم بين سيارتين داخل أسوار الحديقة. سوف ترى إن الرواية التي يحكيها بواب العمارة تختلف تماما عن رواية مالك الشقة الاولى في الطابق الاول. ثم تكتشف ان مالك كل شقة من تلك الشقق المأهولة لديه رواية مختلفة عن بقية الروايات في الطابق نفسه.
وما ان تنتقل إلى الطابق الثاني او الثالث او حتى العاشر سوف تصدمك الروايات المختلفة والمتقاطعة مع بعضها البعض. . لكل شقة ولكل طابق رواية عجيبة، لديك الان 101 رواية مختلفة بعد اضافة رواية البواب. فما بالك ببقية العمارات في المجمع السكني الكبير ؟.
وبالتالي: ليس كل ما نراه هو الحقيقة الكاملة، فالكثير من المواقف تتغير جذرياً عندما تتغير زاوية النظر إليها. .
تذكرني هذه الضبابية بمشهد كوميدي مربك عرضته الدراما المصرية:
قال الاول: شايف نفسك فين بعد خمس سنين يا أخ وائل ؟.
قال الثاني: انت اللي هتبقا فين بعد خمس سنين ؟.
قال الاول مندهشاً: فين ؟؟؟.
قال الثاني: في السجن يا روح امك (وسدد مسدسه نحو الاول).
قال الاول معاتبا الثاني: وائل !!!؟.
قال الثاني: أنا مش وائل، أنا الرائد زينهم السماحي من مباحث الحلمية.
قال الاول موجها كلامه للثالث: عاجبك كده يا مرتضى ؟.
قال الثالث: أنا مش مرتضى، أنا النقيب سليم البدري من مباحث الحلمية.
وهنا انتفض الاول فقال لهما: وانا اللواء سليمان غانم من قطاع الانتاج. .
فقد اختلط الحابل بالنابل، وضاع الخيط والعصفور، ولن نقدر على تكوين صورة واضحة للخروقات المتكررة، فالمسرحية المعروضة أمامنا غير دقيقة، ولا تمثل الواقع، ولا تعكس الحقيقة المطلقة. .
فكل ما نراه هو صورة وهمية وليست حقيقية، وكل ما يتجسد أمامنا هو السراب وليس الواقع. .
واخيراً: كلما حاولنا الهروب من مواجهة واقعنا طالت رحلتنا نحو الضياع
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة