قبل وبعد 2003 .. عراقيون تحت المطرقة !

الحرير/

بقلم/حسين الذكر

بعد خمسمائة سنة من الاحتلال العثماني للعراق خلف فيه – كما يذكر المؤرخون – الثالوث الاخطر ( فقر وجهل ومرض ) .. دخلت القوات البريطانية العراق محررة كما قال جنرالها الشهير ( مود ) عام 1917 وها قد مر قرن على التحرير المزعوم وتعاقبات حكومات ملكية ثم جمهورية ودكتاتورية وديمقراطية علمانية واسلامية واصلاحية وثورية ظل الفقر والجهل والتخلف مسيطرا وان تبدلت الادوات والاساليب والعناوين برغم الثورات والانتفاضات والحركات والشعارات والتضحيات الجسام ..
هنا لا بد من الاشارة لنقطتين مهمة :-
1- حسب وجهة نظرتي وتجربتي الشخصية اقسم فيها بان العراق خالي من الطائفية بمعنى كراهية الاخر وعدائه لاختلاف ديني او مذهبي وان الشعب بريء منها وان وجدت على مستوى فردي نادر اما الطائفية المؤجندة التي صرفت عليها اموال طائلة عبر مراحل طويلة باساليب متنوعة فاكيد لها حصة الاسد !
الثانية : ان الاحزاب التي تاسست واتيح لها الحكم او لم يتح لها ، جميعها حملت شعارات وطنية لكن الخطورة تكمن بالتوظيف والانحراف عن المنهج المعلن .
هكذا اصبح العراق بيئة يغلفها التصحر الحضاري وشحت الخدمات وغياب العدالة الاجتماعية .
في العراق كانت وما زالت وستبقى مناطق محددة للاغنياء واخرى للفقراء بتفاوت جلي قائم برغم مرور قرن على ولادة الحكم الوطني لم تتبدل القاعدة المتحكمة الا بنزر شكلي .
عام 2000 بعز الحصار والضيق زارني ابن اختي قائلا : ( اريد اتزوج ) .. وكان والداه يرفضان بحجة الفقر اذ انه ينتمي لاسرة كبيرة تسكن دار صغيرة اشتراها والدهم بكده وتعبه . فنصحته : ( الزواج بالفقر يولد فقر غير منتهي والافضل التريث حتى تحسن وضعك وتجد لك عمل). هز يديه ساخرا : ( خالي وفقا لرأيك لا يستطيع 80 بالمائة من العراقيين الزواج لان حالهم كحالي .. مضيفا ان النبي محمد ص قال : زوجوهم فقراء يغنيهم الله ) .. فقلت : ( ان قول الرسول ص لا ينطبق علينا ، لانه يقصد بيئة المؤمنين الاوائل اما نحن يعترينا الكثير من الزخرف والشعار الذي لا يعد من الدين بشيء ) . غادرني ابن اختي حزينا غاضبا على ( القسمة والحظ ) وبعد اشهر تزوج وبدأت المشاكل وتحمل مسؤولية المعاناة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم برغم التغيرات الطنانة والرنانة .
قبل ايام زرت صديقي كمال واخيه جلال في محلهما ( العطارية البسيطة ) وهما مواليد خمسينات وستينات ممن ابتلوا بالخدمة العسكرية الطويلة والحروب والحصار دون ان يحققوا شيء لانفسهم واسرهم ظلوا الى اليوم لا رعاية ولا تقاعد ولا اي امتيازات .
سمعتهما يتجادلان باحباط مع ارتفاع صوت يستبطنه الاسى فسالت الشاب محمود ابن كمال عن سر الاشكال ، فقال : ( استاذ طقت روحي اريد اتزوج عندي شغل لا راتب لا نملك شيء ودارنا ستون متر ورثها ابي وعمي كل له ثلاثون متر نريد بناؤها من جديد حتى تتسق مع احوالنا ) .
فاستغربت لان البناء يحتاج اموال وتنسيق مع البلدية والضرائب والمقاول والبناء والدلال وووووو سلسة طويلة من المتاعب والدفع )!.
فقال : ( هناك مصرف ( اسلامي ) يمنح قرض 65 مليون دينار على ان تسدد 100 مليون ونحن مضطرين القبول بشروطه وتحمل كل شيء كي تكون لي غرفة اتمكن من الزواج فيها على ان اتحمل تسديد القرض خلال عشر سنوات قادمة ) .. كان يتحدث بثقة وامل بانجاز البيت والزواج اما المشاكل والديون والتسديد فهي طبيعية ومعتادة لاغلب العراقيين . لم ارد احبطه واخنق بصيص الامل في داخله فشجعته بعزيمة ثم تذكرت ابن اختي قبل 2003 وقارنت مع ابن صديقي بعد 2003 فلم اجد شيء جوهري تغير على مستوى الحضارة والعدالة الاجتماعية ..

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

لقاء لايغيب من الذاكرة . . الشيخ الدكتور الوائلي ( رحمه الله)

الحرير/ بقلم/سامي التميمي كان ولايزال علماً من أعلام العراق ، طاردته السلطات الحاكمة القمعية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *