سباق محموم ومذموم على شرف الجلوس في الصف الأول أثناء إقامة المؤتمرات والمهرجانات !

الحرير/
بقلم/د.محمد العبادي
نقل لنا أحد الأساتذة الأفاضل من كربلاء صورة عن حيثيات المؤتمرات والمهرجانات والندوات والجهود الكبيرة التي يبذلونها من أجل انعقاد تلك المؤتمرات .
هذا الأستاذ يتميز بتواضع جم بحيث أنّه يرأس المؤتمر، لكنه لايجلس في الصف الأول، ويجلس بين الناس أو في آخر مقاعد القاعة الفخمة .
وقد نقل لنا أن الصف الأول أو المقاعد الأولى يجلس فيها الشخصيات المهمة، والضيوف، وفي كثير من الأحيان يأتي الضيف الذي يمثل مؤسسة دينية أو ثقافية أو رئيساً لجامعة أو مديراً عاماً وغيره ولايجد له مكاناً في الصف الأول، فيتذمر بعضهم أو ينزعج من ذلك، وبعضهم يصر إصراراً على الجلوس في المقاعد الأولى علی مرأی ومسمع الناس !!!
لا أدري کیف تسلل هذا التکبر إلی النفوس، لکن الأحادیث الشريفة تشیر إلی الإحساس بالذلة والحقارة( ما من رجل تکبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه)(۱)، و( ما تکبر إلا وضیع)(۲):
( تواضع تكن كالنجم لاح لناظر* على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يرفع نفسه* إلی طبقات الجو وهو وضيع)(۳).
إنّ لدينا ثقافة غنية تمجد بالتواضع،وربما رددها أولو الطول من المتعلقين بالجلوس في الصف الأول في محضر المغفلين.
إنّ ثقافة التعلق بالجلوس في صدر المجلس هي ثقافة غريبة عن تعاليمنا وأعرافنا؛ وقد كان النبي الأكرم ( إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس حين يجلس…)(٤)، و( إذا أتى أحدكم مجلساً فليجلس حيث ما انتهى مجلسه)(٥).
إنّ شرفك في المجلس أن تجلس ( دون شرف المجلس )(٦).
روي عن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال يا رسول عليّ ذبحها، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال آخر عليّ طبخها، فقال صلى الله عليه وآله : وعليّ جمع الحطب. فقالوا: يارسول الله نحن نكفيك. فقال : قد علمت أنكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإنّ الله يكره من عبد أن يراه متميزاً بين أصحابه، وقام فجمع الحطب)(٧).
ولقد كان أمير المؤمنين عليه السلام شديد التواضع إلى النّاس فلم يعرف من بينهم ( كان فينا كأحدنا یدنینا إذا أتیناه ویجیبنا إذا سألناه ویأتینا إذا دعوناه)(٨) .
وروي أن عیسی بن مریم علیه السلام قال للحواریین ( یا معشر الحواریین لي إلیکم حاجة فاقضوها لي. قالوا: قضیت حاجتك یا روح الله، فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: کنا نحن أحق بهذا یا روح الله، فقال: إنّ أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت هکذا لکیما تتواضعوا بعدي في النّاس کتواضعي لکم)(٩).
إنّ التواضع یترك أثره الطیب علی النفوس فیما إذا صدر من المتصدین. من القصص المشهورة عن الشهید اسماعیل دقائقي قائد فیلق بدر الأسبق أنّه کان ینهض من مهجعه لیلاً وبخطوات مکتومة، ویقوم بصبغ أحذیة جنوده .
ونقل السید الخامنئي قائد الثورة عن الوزیر عباس پور أنه کان یجلس بین الناس في صلاة الجمعة، وقال له الشخص الذي یجلس إلی جواره: لاحظ كيف ان الدنيا قد تغيرت.. شيء عجیب هذا وزیر ويجلس بين الناس ( یقصد ویشیر إلی الوزیر محلاتي) .
فقال الوزیر عباس پور للشخص : سأقول لك شيء أعجب من ذلك . أنا أيضاً وزیر .
إن سمو الإنسان لایخلقه الجلوس في المقعد الأول، وإنا یصنعه التواضع؛ فقد ورد ( التواضع زکاة الشرف)(١٠)،کما أن الله یرفع ذکر الإنسان عند تواضعه ( التواضع ینشر الفضیلة)(١١).
إن الإنسان السوي یخفض جناحه للناس، وکلما رفع في الناس درجة تواضع عند نفسه بقدرها، ولامکان في نفسه للأمراض الأخلاقیة التي تصنعها هالة المناصب وزهوها المزیف .


۱- شرح أصول الکافي ، محمد صالح المازندراني،ج۹ص۳۳۱.
۲- عیون الحکم والمواعظ، اللیثي الواسطي،ص٤۷۵.
۳- جواهر الأدب،أحمد بن ابراهیم الهاشمي،ج۲ص٤٨٠.
٤- مكارم الأخلاق، الطبرسي،ص٢٦.
٥- المصدر نفسه،ص٢٦.
٦- تحف العقول، ابن شعبة الحراني،ص٤٨٧.
٧- الوافي بالوفيات، الصفدي،ج١ص٧٢.
٨- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد،ج١٨ص٢٢٥.
٩- الكافي، محمد بن يعقوب الكليني،ج١ص٣٧.
١٠- عيون الحكم والمواعظ، الليثي الواسطي،ص٤١.
١١- المصدر نفسه،ص١٩.

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

انقلابيون وثورچية وقومچية

الحرير/بقلم: كمال فتاح حيدر هل لاحظتم كيف اختفى هؤلاء كلهم حتى تلاشوا تماما ولم نعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *