علامات القوة والحياة عند إيران في ظل المواجهة مع الصهاينة والأمريكان

الحرير/

بقلم/د. محمد العبادي
إن المجتمعات النابضة بالحياة هي تلك التي تفيض بالمواقف الإيجابية حتى في أحلك الظروف وأشدها قتامة. وقد عاينتُ هذه الحقيقة عن كثب في إيران، ووصلت إلى قناعة راسخة بأن أعداء هذا البلد لو استهدفوا القيادات كافة (عسكرية وأمنية وسياسية)، فإن المجتمع سيمسك بزمام المبادرة وينهض ليقود نفسه بنفسه، ذلك لأن هذا المجتمع قد رُوِي بماء الانتماء للعقيدة والوطن، وبُنيت منظومة أفكاره ومصالحه على هاتين الركيزتين، وعملت على ترسيخ ذلك مؤسسات مدنية عتيدة.
لقد تجلت مواقف عديدة إبان هذه الحرب، تنم عن حيوية دافقة داخل النسيج المجتمعي الإيراني، نذكر منها:
أولاً: حين استُهدفت الرموز السياسية والعسكرية وعلى رأسها السيد الشهيد الخامنئي (ره)، هبت الأمة الإيرانية لتمارس دورها في الحضور الفاعل ؛ فاستمر تدفق الجماهير في الشوارع والساحات لأكثر من شهرين ، تأكيداً على الوحدة والانتماء، وتجديداً للولاء للدين والوطن، ورفضاً قاطعاً لكل أشكال العدوان.
ثانياً: حين طال الاستهداف الجامعات، سطر الأكاديميون مواقف مشرفة؛ فعلى سبيل المثال، حين استُهدفت (جامعة شريف التكنولوجية – جامعة صنعتى شريف)، أصرّ عدد من الأساتذة على الحضور ومواصلة التدريس وبث المعرفة، ليقدموا درساً بليغاً في الإصرار على استكمال المسيرة والنهضة العلمية. وفي تقديري المتواضع، ينبغي أن يُنظر إلى هؤلاء الأساتذة والطلاب بعين الإعزاز والإكبار والاحترام.
ثالثاً: حين استهدفت الآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المدارس، أعلنت وزارة التربية عن استمرار التعليم من خلال الإنترنت (عن بُعد ) عبر تطبيق (شاد)، لكن بعض المعلمين والمعلمات أبوا إلا الحضور المباشر فاستقبلوا الطلاب في بيوتهم. وفي خطوة أكثر تقدماً أو أكثر تضحية ، قامت إحدى المعلمات في (شيراز) بالتنقل بسيارتها الشخصية لتصل إلى طلابها. أعتقد أن هذه المعلمة قبل أن تباشر تعليم المنهج، غرست في نفوس تلاميذها درساً تربوياً لن يمحى من ذاكرتهم، وسينقلونه للأجيال القادمة. وصدق شوقي حين قال:
قُم للمعلم وَفِّهِ التبجيلا ** كاد المعلمُ أَن يكون رسولا
رابعاً: من المشاهد التي تفيض بالدلالات هو تطوع مجموعات من النخب العلمية والثقافية في إيران لإزالة الركام والحطام الذي خلفته صواريخ الديمقراطية الأمريكية داخل الحرم الجامعي حيث انخرطت تلك النخب في أعمال البناء والترميم بأيديهم .
خامساً: أثارت إعجابي كلمة وزيرة الطرق وبناء المدن الإيرانية (فرزانه صادقي) التي ألقيت عبر (الفيديو) أمام اجتماع وزراء النقل في منظمة شنغهاي، حيث تحدثت من جوار (الجسر B1 )في محافظة كرج الذي تعرض للقصف الأمريكي، في رسالة واضحة للهمجية الأمريكية التي تتدعي التحضر .
سادساً: قام الإيرانيون بنصب مواكبهم وهيئاتهم لخدمة الناس في الميادين، على غرار المواكب والهيئات الخدمية في الشعائر الدينية، مما عكس روح التعاون الحسيني في أبهى صوره.
سابعاً: لفت نظري قدرة الإيرانيين على تحويل وجه الحرب البشع إلى مشهد احتفالي ملحمي ؛ فقد صدرت عشرات الأناشيد الحماسية التي أُنشدت بشكل جماهيري تقشعر له الأبدان ويتحرك لها الوجدان. كما شوهد البعض في تلك التظاهرات يوزعون الزهور على المارة ، بل إن بعض الشباب آثروا إقامة حفل زفافهم وسط تلك الحشود في الميادين، في صورة رمزية تعكس تحويل التدمير والدم إلى طاقة إيجابية وحب للحياة.
ثامناً: من المشاهد الرائعة تلك القوافل التي سيرها أصحاب حافلات النقل الكبيرة في قزوين ويزد وأصفهان وغيرها، وكذلك مسيرات أصحاب الدراجات النارية في طهران والأهواز وغيرهما، في استعراض شعبي يعكس التلاحم مع الدولة.
تاسعاً: من اللافت أن باب التطوع من أجل الوطن عبر موقع (جان فدا) قد شهد إقبالاً منقطع النظير ؛ إذ بلغ عدد المتطوعين حتى تاريخ ٦ / ٥ / ٢٠٢٦م أكثر من (31.400.000) متطوع مما يشير إلى وجود قاعدة شعبية عريضة ملتفة حول نظامها الإسلامي ومستعدة للتضحية في سبيله.
عاشراً: كشفت الحرب عن وجود أربعة أركان متناغمة للنظام في إيران، يعمل كل منها بتنسيق تام مع الآخر:
١- ركن الميدان الجماهيري.
٢- ركن الميدان العسكري.
٣- ركن الميدان السياسي.
٤- ركن الميدان الإعلامي.
ختاماً ثمة مواقف مضيئة أخرى كثيرة، لكننا نكتفي بهذا القدر الذي يوضح سر القوة والصمود والإباء والحياة في المجتمع الإيراني المسلم .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

يوم حرية الصحافة .. هموم صحفية واورام تواصلية !

الحرير/ بقلم/حسين الذكر تشير المدونات الى ان آلة الطابعة الحديثة اخترعت تقريبا عام (1440) على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *