الحرير/
بقلم: كمال فتاح حيدر
يحكى ان شيخاً مسالماً انهارت أعصابه في احدى محاكم الزوراء فترنح مغشيا عليه بعدما فوجئ بعدد القضايا الكيدية التي رفعتها عليه زوجته واولاده وأحفاده. تحالفوا كلهم عليه رغم انهم نشئوا وترعرعوا برعايته وفي أحضانه. فدخل في غيبوبة من هول الصدمة، وهو الذي لم يكن سيئا معهم في يوم من الايام. . وما ان اعلن المحامي عن إصابته بالجلطة الدماغية امام اولاده حتى هرعوا نحوه فاحتضنوه بالصراخ والعويل: (بابا حبيبي لا تموت ما نريد منك شي – افتح عينك بابا لا تموت يا عزيزنا يا حبيبنا)، لكن نحيبهم وعويلهم كان بلا جدوى وبلا فائدة، فقد شُلت حركته من شدة القهر . .
عندئذ التفت القاضي لزوجته. قال لها: هل ارتحتي الآن ؟. هل تشعرين بالسعادة بعد موت هذا الشيخ الجليل ؟. هل هذا ما تبحثين عنه وتخططين له. . الآن اصبحت الدعاوى في حكم المنتهية، وسوف نشطبها من سجلاتنا. .
فأخذت تلطم وتتباكى. بينما خلع المحامي جلبابه وغطى به جسد الرجل المسجى فوق طاولات المحكمة بانتظار وصول الإسعاف. .
كلكم تعرفونه، وتربطكم به علاقات مصيرية مباشرة، وكان له الفضل الكبير عليكم بلا استثناء.
انه العراق العظيم الذي تآمرتم عليه، ثم خذلتموه حتى داهمته السكتة الدماغية من شدة الحزن والألم.
وسوف يُنقل إلى ردهة العناية المركزة في قلب العاصمة بغداد على شواطئ دجلة. ولسان حاله يقول:
يا دجلة الخير ادري بالذي طفحت به مجاريك من فوق إلى دونِ
أدري بأنكِ من ألفٍ مضتْ هَدَراً للآن تَهْزَين من حكم السلاطين
تهزينَ من خِصْبِ جنَّات منشَّرةٍ على الضفاف، ومن بؤس الملايين
يا دجلةَ الخيرِ: خلِّي الموجَ مُرتفقاً طيفاً يمرُّ وإن بعضَ الأحايين
ختاماً: سيذيقهم الله من جنس ما أوجعوا به العراق، لا انتقاما بل عدلاً منه، فدعهم لله، فهو لا ينسى دمعة سقطت في البصرة، ولا غصة سكنت قلباً في الموصل، سيأتيهم الشعور ولو في صورة أخرى، ليعرفوا كيف كان الألم. .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة