لمحات وإضاءات من سيرة الإمام علي عليه السلام

الحرير/

بقلم/د. محمد العبادي
ولد الإمام علي عليه السلام في يوم الجمعة ثالث عشر من رجب الحرام سنة ثلاثين من عام الفيل ، قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة .
كأن القدَر أراد أن يعلن منذ اللحظة الأولى أن هذا المولود الهاشمي ستكون له صلة عضوية بمركز التوحيد، وأن حياته ستدور حول حماية المعنى قبل حماية الشكل وحول حماية التأويل من بعد التنزيل . وقد سُمي علياً فحمل الاسم إشعاراً مبكراً بعلوّ المنزلة وبالسمو الأخلاقي.
لقد نشأ الإمام علي عليه السلام في بيت النبوة، وتربى في كنف محمد وخديجة صلوات الله عليهما، لا كضيفٍ أو تابع، بل كابن يتشرّب القيم قبل أن تتحول إلى تشريعات وتتشكّل روحه على عين الوحي قبل نزوله: ( ولتصنع على عيني). إنها منقبة فريدة تحسب لعلي عليه السلام أن تكون سنينه السبع الأولى في بيت النبي صلى الله عليه وآله. إنّ هذه التنشئة والتقعيد في قلب علي عليه السلام صنعت فارقاً جوهرياً بينه وبين غيره؛ إذ أنه لم يعرف الجاهلية لا فكراً ولا عملاً ولا سلوكاً: ( لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها)، ولم يمرّ بمرحلة التردد أو التحفّظ حين بزغ نور الإسلام ، فكان قد فُطر على التوحيد وسبق إلى الإيمان وهو القائل:( صليت قبل الناس بسبع سنين). نعم كان علي عليه السلام متقدّماً على الجميع بحكم الصفاء الروحي والتربية النبوية له، والاستعداد الاستثنائي لأخذ التعاليم الإلهية بقوة .
في سيرة عليّ بن أبي طالب عليه السلام تتعانق القيم الروحية بالفعل الإنساني، حتى تبدو حياته وكأنها كتاب مفتوح على معنى الوصاية الإلهية ليس بالإدعاء، وإنما بالأفعال المتصلة والمواقف المتراكمة والسبق الذي لازم شخصيته.
ومع انبلاج فجر البعثة النبوية وتقدّم الدعوة الإسلامية كان الإمام علي عليه السلام حاضراً في أشد لحظاتها قسوة، في حصار الشعب الذي بدأ من سنة سبعة من البعثة النبوية، حيث الجوع والعزلة، وفي السنة العاشرة التي انتهى عندها الحصار بلغ الإمام علي عليه السلام أشدّه واستوى وبرزت شخصيته بوصفه امتداداً للنبوة ، حيث كان في تلك المحنة تجسيداً للصبر الصامت، لا يطلب دوراً ولا ينتظر ثناءً وإنما كان يملأ الفراغ بالأفعال والأعمال .
بعد ثلاثة عشر سنة من الدعوة المتواصلة في مكة وما حولها من القرى ضاقت قريش ذرعاً بالرسول الأكرم واتباعه، وعقدت اجتماعاً لذلك ثم خرجت بخيارات شريرة تستهدف النبي الأعظم، وأخبره الله تعالى بنتائج اجتماعهم: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
وأمره الله تعالى بالهجرة تحت جناح الليل، فنام علي عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه وآله في موقف يتجاوز الشجاعة الجسدية إلى ذروة الثقة بالله تعالى حيث يصبح الجسد جسراً تعبر عليه الرسالة. وبعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وآله لم يكن علي عليه السلام مشغولاً بشأنه الشخصي، بل بقي في مكة يوماً أو بعض يوم ليؤدي عنه الأمانات إلى أهلها، وكأن الإسلام يعلن من خلاله أن الأخلاق تسبق الصراع، وأن الحق يأمر بأداء الأمانة حتى مع الخصوم.
وبعد أن أرخى الليل سدوله أدلج علي عليه السلام وهاجر مصطحباً معه الفواطم الأربعة على أن يلتحق بالنبي الأكرم عند منطقة قباء، في مشهد إسلامي يختصر معنى الارتباط والطاعة والمسؤولية والتنسيق فيما بينهما.
وفي المدينة ( يثرب) حين آخى النبي صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار؛ اصطفى علياً لنفسه، وكان ذلك تتويجاً لعلاقة لم تُبنَ على القرابة وحدها وانما على القرب والامتثال في الرسالة وتعاليمها.
ولم تكف قريش وأحلافها من اليهود والأعراب عن معادة الرسول الأكرم ومن معه حتى بعد أن هجرهم، فنازلوه في غزوات عديدة؛ ومن مجموع ( 26) غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وآله لم يتخلّف علي عليه السلام قط في الدفاع عن الإسلام ( وشهد المشاهد كلها عدا تبوك). وقد كان حضوره حضوراً لافتاً ومميزاّ وحاسماً، حيث تقترن فيه الشجاعة بالحكمة، والقوة بالانضباط، والقدرة بالتواضع.
أما زواج الإمام علي من فاطمة عليهما السلام في السنة الثانية من الهجرة؛ فلم يكن حدثاً عائلياً، بل تأسيساً لبيتٍ اجتمع فيه النسب والرسالة، والزهد والكرامة، فصار هذا البيت العلوي محوراً لوصايا النبي صلى الله عليه وآله ومحلاً لعنايته المتكررة، وإشاراته الدائمة إلى أنه يمثل الامتداد الحقيقي للإسلام .
وفي مواطن كثيرة كان النبي صلى الله عليه وآله يقدّم علياً عليه السلام بوصفه المعيار، حتى بلغ ذلك ذروته في أواخر أيامه، حيث اكتمل الإعلان عن موقعه ودوره في قيادة الأمة ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه).
إنّ الفارق الجوهري الذي جعل الإمام علي عليه السلام مقدّماً عند الله ورسوله والمؤمنين ليس مجرد مجموعة من الفضائل العظيمة، بل في شخصيته الجامعة وفرادتها؛ فعلي عليه السلام لم يكن رجل مرحلة ولا بطل موقف عابر، وإنما كان تجسيداً مستمراً للحق في كل حالاته وسكناته ؛ في السلم والحرب، وفي العلم والحلم، وفي القوة والزهد.
نعم لم ينفصل فيه الإيمان عن العمل، ولا الشجاعة عن العدالة، ولهذا بقي حضوره حياً في الوعي الإسلامي والإنساني معاً، لأن سيرته كُتبت بالأفعال، وبالسبق، وبالاستقامة التي لا تتبدّل بتبدّل الظروف. إنه كان دائماً حيث ينبغي أن يكون الحق، ثم في مرحلة لاحقة أصبح الحق معه ولاينفك عنه: ( علي مع الحق والحق مع علي)، وأيضاً كان دائماً يحب الله ورسوله، ثم في مستوى آخر يحبه الله ورسوله: ( يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله..).
إنّ سيرة أمير المؤمنين عليه السلام ليست سرداً تاريخياً عابراً، بل مساراً إسلامياً متصلاً؛ فبعد أن تولى الحكم أواخر سنة (35هـ)، كان لايكل من ذكر اسم رسول الله في مجالسه وكان يقول: ( هكذا كان يفعل رسول الله) ليس معنى هذا استدعاء عاطفياً للماضي، بل تصحيحاً واعياً للحاضر، ولم يكن يذكر سنة النبي صلى الله عليه وآله ليزيّن خطابه، وإنما ليعيد الميزان إلى نصابه حين اختلطت أقوال التابع بالمتبوع، والعادات بالدين، والمصالح بالشريعة.
لم يكن حضوره ـ سواء في الحرب أو في الأسواق أو في المحافل العامة أو في المساجد وغيرها ـ طقساً شكلياً، بل كان حضوره عبارة عن لحظة وعي يخاطب فيها قلوب الناس قبل أن ينفضّوا من حوله، بكلماتٍ قصيرة في ظاهرها، عميقة في أثرها، تنسج خطابها من واقعهم لا من أبراج الوعظ العالية. وكانت وصاياه تنبض بحاجات الناس، وتلامس قلقهم اليومي، فلا يشعر السامع أنه أمام حاكم يعظ ، بل أمام إمام يقظ يداوي بلسم جراحهم.
ومما يعجز عنه البيان أنّه عليه السلام حتى في الحروب التي فُرضت عليه قسراً، لم يتخلَ عن منطق الدعوة والصلح، وكان يستأنيهم لكي يجنحوا للسلم، ثم لو فرض عليه القتال؛ فإنه يقاتل ويفتح لهم باب الرجوع في دعوتهم إلى الوفاء بالعهد والميثاق والعودة إلى جادة الصواب. لم يكن الإمام يرى الحرب غاية، بل آخر الدواء، ولم يكن يرى النصر هدفًا منفصلًا عن الهداية.
لقد كانت شخصيته النقية التي لا تعرف الالتفاف ولا المناورة؛ كانت بطبيعتها هدفًا سهلاً للمكر السياسي، فحيكت حوله تلك المؤامرة البوليسية المعقّدة، وأُلبست لباس الخوارج، ليُضرب عصفوران بحجر واحد .
ولم يُقتل أمير المؤمنين عليه السلام لأنه أخطأ، بل لأنه كان صحيحاً وصريحاً أكثر مما يحتمله زمنٌ مأزوم يعيش فيه غرمائه على الدسائس والغموض. وجاءت نهايته على قدر بدايته لم يُغتل في قصر، ولا في ميدان قتال، وإنما في المسجد، في أكرم عبادة، وفي أقرب نقطة أو موضع بين العبد وربه، وهو ساجد.
كأن سيرته الثرة المعطاء أرادت أن تقول إنّ هذا الرجل لم يفارق المحراب حتى وهو يحكم.
إنها حياة حافلة بالعمل، بدأت من جوف الكعبة حيث التوحيد الخالص، وانتهت في محراب المسجد حيث الخضوع الخالص. وبين البداية والنهاية مسارٌ واحد لم ينكسر ، ولهذا لم يكن استشهاده نهاية، بل بداية حضورٍ أبقى من الزمن.
فسلام على علي عليه السلام الذي جعله الله مباركاً في حياته وبعد مماته .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

وفاة مثيرة للجدل للدكتور ضياء العوضي تفتح باب التساؤلات

الحرير/ بقلم / عبدالحميد صالح أثارت أنباء وفاة الدكتور ضياء العوضي حالة واسعة من الجدل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *