الحرير/
بقلم / الدكتورة شذى شاكر العبودة
لم تكن المرأة جديدة العهد في حضورها السياسي، فقد بَين لنا التاريخ في عدة مصادر و مواضع دورها الفاعل في المشاركة السياسية، رغم أنه من المواضيع الجدلية والتي يتهم فيها الفقه السياسي الإسلامي بالجمود وأنه يقف ضد حقوق المرأة في منعها من مزاولة السلطة السياسية ولن أخترع في هذا المقال ما هو جديد عن الموضوع لكن سأركز على أمور متفق عليها في الشريعة الإسلامية وبين العلماء حول مشاركة المرأة السياسية .
بداية لا بد من تحرير النزاع في هذه المسألة، اختلف الفقهاء المعاصرون في هذا الموضوع في مسألة واحدة فقط وهو جواز تولي المرأة الحكم واستدل من ذهب إلى المنع بأقوال الفقهاء القُدامى وهو المنع من تولي الخلافة باتفاق فمن شروط الخليفة أن يكون ذكراً، وقد علل الفقهاء بالمنع بحديث الرسول ﷺ في قصة ابنة كسرى الفرس عندما أخبروه بأنها تولت الحكم فقال : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) واشتراط الذكورة لأن الخلافة فيها مشقة كبيرة ومنها الحرب، فالخليفة هو القائد في المعركة وفي ساحات القتال وهذا لا يناسب تكوين المرأة الجسدي وطبيعتها، لأن الخليفة قد يضطر أن يذهب إلى القتال ويستمر القتال شهوراً عديدة، ومن الطبيعي ألا تتحمل المرأة أعباء الحرب والقتال، وأما من قال بالجواز فقد نظر إلى الموضوع بأن طبيعة الحكم تغيرت واختلفت ولم يعُد هناك خليفة مسؤول عن مساحات كبيرة من الأراضي، وإنما مسؤوليات الرئيس اليوم وصلاحياته تختلف عن مسؤوليات الخليفة في السابق، فالرئيس يرأس سلطة تنفيذية مقيدة بالقوانين والدستور خلافاً للخليفة، وأما حديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فيقولون بأنه ورد قصة عن ابنة كسرى ولا يقصد من الحديث إنشاء حكم وإنما هو خبري يقصد منه الإخبار عن ابنة كسرى بأنا ستُهزم .
أحداث السيرة النبوية فهي مليئة بأحداث سياسية، وقد كان للمرأة دوراً بارزاً فيها وأولها السيدة خديجة (رض)، فقد كان علماء السيرة يعتبرون الوزير الأول في الإسلام هو خديجة، ويشبهونها بمقام الوزير الذي يستعان به في تنفيذ المهمات .
ومن خلال هذه الأدلة أصبح موضوع تولي المرأة الرئاسة مثار جدل وسأستعرض في هذا الموضوع النقاط الرئيسية والمتفق عليها عند المانعين والمجيزين في قضية المشاركة السياسية للمرأة.
اولاً : العلة عند القائلين بالمنع هو عدم قدرة المرأة على القيام بأعباء الخلافة بسبب ما تطلبه الخلافة من جُهد وأعباء كبيرة وقتال وهذا لا يناسب طبيعة المرأة فليست العلة عندهم هو تمييز الرجل عن المرأة أو أن الرجل أكثر ذكاءً ودهاءً وتخطيطاً من المرأة، بل هم يؤكدون أن المنع ليس نقصاً في أهلية المرأة، فالمرأة لها أهلية كاملة وشخصية مستقلة عن الرجل، تستطيع أن تبيع وتشتري وتتملك وتدافع عن حقوقها وتطالب بحقوقها، ولا تحتاج إلى ولي أمر لها، بل تتحمل المسؤولية الكاملة كالرجل، وإنما المنع بسبب ما تتطلبه الخلافة من مشقة وجهد لا يتناسب مع طبيعة المرأة .
ثانياً، إن الخلاف بين الفقهاء كان في نقطة واحدة، وهو تولي الحكم، وأما ما عداه من شؤون الدولة والحكم فقد أجمع الفقهاء أنه لا فرق بين الرجل والمرأة فيهم، بل يمكن للمرأة أن تتولاها كما يتولاها الرجل .
ثالثاً : إن المشاركة السياسية للمرأة إن أردنا إثباتها في القرآن والسنة نجد الأدلة القطعية الكثيرة التي تبين مشاركة المرأة في جميع النواحي السياسية، وسأسرد الآيات والأحاديث التي تؤكد ذلك، يقول تعالى :{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، والولاية هي النصرة والحماية وهذه الآية تبين أن المؤمنون والمؤمنات ينصرون بعضهم بعضا ويوالون بعضهم بعضا، فقد ينصر الرجل المرأة وقد تنصر المرأة الرجل، وقد تتولى المرأة شأن الرجل وقد يتولى الرجل شأن المرأة .
وقد كان للمرأة دور الاجتهاد، هو سلطة تشريع القوانين بالمعنى المعاصر، وكانت سبباً في نزول أحكام جديدة كما في سورة المجادلة، تلك المرأة التي ذهبت إلى الرسول ﷺ تقول للرسول إن زوجها قال لها أنت كأمي، والرسول ﷺ يقول لها ما أراك إلا حرمت عنه، وهي تراجعه مراراً وتكراراً، والرسول يُجيبها نفس الجواب، حتى نزلت سورة المجادلة وبينت حكم الظهار بسبب هذه المرأة {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير}، ثم تُبين الآيات حكم الظهار، وأنه يجوز للمرأة أن ترجع إلى زوجها، وزوجها يدفع الكفارة .
كما كان علماء السيرة يعتبرون السيدة خديجة (ع) الوزير الأول في الإسلام، ويشبهونها بهذا المقام الذي يستعان به في تنفيذ المهمات والاستشارة وحل المشكلات وكذلك بيعة النساء، ولم يكتف الرسول ﷺ ببيعة الرجال عندما أراد الهجرة إلى المدينة، فقد طلب البيعة من النساء، وقال تعالى :{يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك}، وكذلك دور مشورة أم سلمة للرسول ﷺ في صُلح الحُديبية وإنقاذ الجيش من الهلاك عندما استشار الرسول أم سلمة في أمر عسكري، فأشارت عليه أن يتحلل فيحلق وينحر، وفعل كما أشارت، ثم نفذ الصحابة أمر الرسول ﷺ، وتلك المرأة التي انتدبنها النساء في أن تطالب بحقوقهن أمام الرسول ﷺ، لأن الرجال ذهبوا بالأجور في الجهاد وفي صحبة الرسول ﷺ فجعل الرسول ﷺ لهن يوماً وأم هانئ بنت أبي طالب عندما استجار بها رجل من المشركين (وهو ما يعرف اليوم بطلب الحماية) وأراد علي بن أبي طالب (ع) أن يقتله فقبل رسول الله ﷺ حمايتها للرجل وقال : (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) .
رابعاً : على سبيل المدح، فهناك قصص لملكات صالحات لأنهن أنقذن أقوامهن من هلاك محقق، ومنهن سبأ ملكة بلقيس، والتي استطاعت بفضل حنكتها وخبرتها ودهائها أن تنقذ المدينة كاملا وأسلمت بسليمان والقصة موجودة بكاملها في سورة النمل، بينما ذكر القرآن الكريم نماذج عن ملوك أفسدوا البلاد والعباد بسبب تكبرهم كفرعون ومن القصص على سبيل المدح ابنتا شعيب اللتان ساعدتا موسى عليه السلام عندما هرب من بطش فرعون وآسيا امرأة فرعون والتي أسلمت لله رب العالمين بالرغم من بطش فرعون وتجبره ومريم بنت عمران والتي قال عنها بعض العلماء أنها (نبية) وأجازوا أن يكون النبي أنثى، بناءً على ذلك، فهذه القصص كلها تدل على دور المرأة في الأحداث السياسية وفي الشأن العام وعلى رجحان عقلها وقوة شخصيتها .
الخلاصة : إن ديننا الحنيف أسس إلى دور المرأة في العمل السياسي وأكد على مشاركتها من خلال السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وأعطاها الحق الكامل الذي يتناسب مع طبيعتها وتكوينها الجسدي ولم ينقص من حقها شيئاً، وإن منع الممارسة من بعض الأعمال ليس بسبب نقص أهلية كما يروج، وإنما بسبب عدم المناسبة، كما أن الرجل لا يستطيع أن يمارس بعض الأعمال التي لا تتناسب مع طبيعته الجسدية .
وعلى ضوء ذلك، جعل الله للرجل مسؤوليات وواجباتٍ وحقوقاً، لتكون شريكة للرجل، حتى يتكامل العمل في المجتمع، وحين يوفي كلٌّ منهما بمسؤولياته، وقد عرف كلٌّ منهما حدوده كما بيّنها الله لهم جميعاً .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة