الرقابة الدستورية على الإيجاب التشريعي في العراق لعام ٢٠٢٦

الحرير /

بقلم/المحامية فاطمة حسين الجندي

​تُمثل نظرية “الإيجاب القانوني” في الفقه الدستوري التعبير الصريح والملزم عن الإرادة التشريعية للدولة، سواء تجسّد ذلك في مشاريع القوانين المقترحة من السلطة التنفيذية أو تلك التي يصوغها مجلس النواب. وخلال عام ٢٠٢٦، شهدت الساحة القانونية العراقية تطوراً ملحوظاً في كيفية تعامل المحكمة الاتحادية العليا مع هذا الإيجاب التشريعي، حيث لم تعد الرقابة القضائية مقتصرة على المظهر الشكلي للنصوص، بل تعمقت لتشمل فحص الملاءمة الدستورية ومدى اتساق التشريعات مع الحقوق والحريات الأساسية التي كفلها دستور عام ٢٠٠٥.

​وقد تجلّت الملامح البارزة لهذا النشاط القضائي في كبح جماح السلطة التقديرية للمُشرّع حينما تصطدم بالنظام العام أو تمس بالحقوق المكتسبة للمواطنين. ومن أبرز الشواهد التي سجلها عام ٢٠٢٦، مراجعة المحكمة للتعديلات التشريعية الحساسة مثل قوانين أسس تعادل الشهادات والتعليم، فضلاً عن التصدي للقرارات التنظيمية والقوانين المحلية التي فرضت أعباءً مالية وضريبية خارج إطار الغطاء الدستوري الإتحادي، مما أعاد رسم الحدود الفاصلة بين سلطة الدولة في التنظيم وبين حظر تقييد جوهر الحقوق.

​ولم يقتصر دور المحكمة عند الفصل النهائي في دستورية القوانين، بل برزت الأدوات الاحترازية كعنصر حاسم في حماية المراكز القانونية، حيث أدت الأوامر الولائية وطلبات إيقاف التنفيذ الصادرة عن المحكمة في عام ٢٠٢٦ دوراً محورياً في تجميد الآثار القانونية للتشريعات المطعون فيها، ومنها القرارات المتعلقة بإعادة فرض الرسوم على قطاع الاتصالات والإنترنت، ونزاعات آليات استبدال الأعضاء وشغل المقاعد النيابية، لحين حسم الدعاوى بشكل موضوعي وتفادي وقوع أضرار جسيمة يصعب تداركها.

​وفي المحصلة، فإن قراءة الواقع القضائي لعام ٢٠٢٦ تؤكد أن الإيجاب القانوني للتشريعات في العراق بات يمر عبر مصفاة رقابية صارمة تفرضها المحكمة الاتحادية العليا بصفتها الحارس الأمين على الدستور. هذا التوجه يضع التزاماً ثقيلاً على عاتق الإدارات القانونية ومصاغي القوانين في مؤسسات الدولة، مستوجباً توخي الدقة البالغة والانسجام التام مع المبادئ الدستورية العليا، لضمان استقرار البناء التشريعي وحماية السلم القانوني والمجتمعي.

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

الآن: ما الذي يقوله الرافضون للربط السككي ؟

الحرير/ بقلم: كمال فتاح حيدر اشعر بحزن عميق كلما أطلعت على مستجدات الترابط السككي التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *