دفاعا” عن القضاء العراقي .. بين الواقع السياسي والتشكيك الممنهج

الحرير/

بقلم/ محمد حنون / نائب نقيب الصحفيين العراقيين

كثير من الطروحات التي تنتقد أداء القضاء العراقي ومنها المقال المطروح الذي قدم سرداً مشحوناً بالتعميمات والاتهامات وتتناول القضاء ككتلة واحدة خاضعة بالكامل لإملاءات السياسة متناسية أن القضاء رغم كل التحديات بقي أحد أعمدة الدولة العراقية بعد 2003 ونجح في منع انزلاق البلاد نحو الفوضى في أكثر من منعطف خطير.
أولاً ..استقلال القضاء حقيقة قانونية لا بدعة أمريكية
من المبالغة وصف استقلال القضاء بأنه فرض أميركيا”وكأن الفكرة دخيلة على العراق
فالعراق عرف القضاء المستقل منذ عشرات السنين ولديه تقاليد قضائية تمتد إلى ما قبل 2003 حتى وإن تأثرت بالأنظمة السياسية المتعاقبة.
تأسيس مجلس القضاء الأعلى في 2003 جاء في إطار بناء مؤسسات دستورية حديثة وليس كأداة استعمارية وضعها الاحتلال وقد تضمن الدستور العراقي لعام 2005 أحكاماً واضحة تؤكد على استقلال القضاء وحرمة التدخل في شؤونه (المادتان 19 و87).
ثانياً: القضاء ركيزة أساسية لمنع الانهيار بعد 2003
بينما انشغل السياسيون بالصراع على السلطة وحاولت قوى عديدة اختطاف الدولة وقف القضاء العراقي كأحد ضوابط التوازن الدستوري.
من أبرز الأدوار التي اضطلع بها
حماية الشرعية الدستورية في أزمات تشكيل الحكومات
وإصدار أوامر إلقاء قبض بحق فاسدين رغم الضغوط السياسية
وحسم النزاعات الانتخابية أمام محاولات التلاعب والحد من تغول بعض المؤسسات التنفيذية بتفعيل الدور الرقابي للمحكمة الاتحادية ولولا القضاء لربما انزلقت البلاد في أكثر من مرة نحو السيناريوهات غير الدستورية أو العنف الأهلي
ثالثاً: الحديث عن محاكمة صدام حسين قد لاتكون مثالية لكنها لحظة عدالة تاريخية صحيح أن المحاكمة واجهت ضغوطاً وشبهات لكن العبرة أن النظام القضائي استطاع محاكمة رأس النظام السابق أمام الناس ووفق قانون لا بانتقام دموي أو تصفيات ميدانية كما جرى في دول أخرى.
كما أن استقالة بعض القضاة أو اختلاف التقييم لأدائهم لا يلغي قيمة الحدث بل يثبت وجود هامش للاجتهاد القضائي وحرية الموقف.
رابعاً: القضاء ليس أداة بيد السياسيين بل كابح لهم
في السنوات الأخيرة بات القضاء الملاذ الأخير لضبط التجاوزات السياسية والدستورية فقد أوقف محاولات غير دستورية لتغيير نتائج الانتخابات وأعاد التوازن إلى ملف توزيع السلطات والصلاحيات
ورفض بعض القوانين والقرارات التي حاولت قوى نافذة تمريرها دون سند دستوري بل في أكثر من مناسبة تحوّل رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى خصم مباشر لبعض الأحزاب التي حاولت التشكيك بنزاهة القضاء حين لم تحصل على ما تريد.
خامساً تقارير الأمم المتحدة والغرب أدوات سياسية بامتياز
الاستناد إلى تقارير منظمات دولية ليس دليلاً قاطعاً خاصة أن كثيراً من هذه الجهات تخضع في تقييمها إلى المعايير السياسية للدول الكبرى وتغفل السياقات المحلية نعم يجب تحسين شروط الاحتجاز والمحاكمات لكن القضاء العراقي يصدر مئات البراءات يومياً
والاعترافات القسرية مرفوضة قانوناً والأحكام تراجع من أكثر من جهة قبل تنفيذها
أما الإيحاء بأن القضاء يستهدف السنة فقط فهو تسييس واضح للملف الجنائي وتبرير مبطن للإرهاب الطائفي.
سادساً ..مجلس القضاء الأعلى ليس خصماً سياسياً بل جهة وطنية ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان يستهدف سياسياً لأنه رفض الانصياع لأجندات حزبية ولأنه أدار ملف العدالة بشكل مستقل نسبياً عن المحاور الداخلية والخارجية.
ولو كان أداة بيد إيران كما يُزعم لما واجه كل هذه الحملات الإعلامية ولا هوجم من قبل أطراف أميركية وإعلام دولي محسوب على الغرب
إن القضاء العراقي رغم ما فيه من أخطاء بسيطة وضعف موارد وتحديات لم ينهار كما انهارت مؤسسات كثيرة وبقي الإطار الوحيد لحسم النزاعات سلمياً وهو منصة المواطن الضعيف أمام الفاسدين والمتنفذين ومن يريد إصلاح القضاء عليه دعمه وتمكينه، لا تحطيمه وتشويهه
فالمجتمعات لا تبنى بلا قضاء… بل تنهار حين يفرغ من مضمونه

         

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

عيد العمال في الأردن: كيف تعيد الشراكات الدولية، خصوصًا مع الصين، صياغة قيمة العمل؟

الحرير/ د. عائده المصري، باحثة وكاتبة إعلامية متخصصة في الحوكمة العالمية والاقتصاد السياسي، تتمتع بخبرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *