مداهمات البصرة بين عامي 1978 – 1980

الحرير/

بقلم: كمال فتاح حيدر

لم تكن أرياف البصرة تشغل بالها في الحوارات الفكرية، ولا علاقة لها بالأحزاب والتحزب. ولا شأن لها بالرئاسة والسياسة. .
أوساط فلاحية وعمالية غارقة في الفقر. تعيش بلا سقوف وبلا طرق معبدة، وبلا منظومات للصرف الصحي، وبلا أنابيب نظامية لشبكة الإسالة. .

ينامون مبكرا في العراء. ويستيقظون قبيل الفجر. . في كل بيت حنفية واحدة، وتنور واحد، وبريمز (موقد نفطي) واحد لطهي الطعام. .
العشاء في تلك القرى نسخة مستنسخة من الغداء. اما افطار الصباح فهو الخبز واللبن والشاي . .

كان اذكى فتيانها على مسافة بضعة أيام من إنهاء دراستهم الجامعية الأولية، من دون ان يعلموا أنهم كانوا تحت مراقبة المخبر السري ومراقبة زعاطيط الاتحاد الوطني سواء كانوا في أطراف التنومة، أو في كراج ساحة سعد، أو في الساحات الترابية في ملاعب كرة القدم. .

كان ازلام السلطة الحاكمة يخططون لزرع الرعب في قلوب الفقراء. يكتمون انفاسهم. يكتبون قوائم المرشحين للموت شنقا أو حرقاً أو تقطيعاً دونما سبب. .
ثم جاءت مرحلة المداهمات الليلية وجولات الترحيل والخطف على شكل دفعات تولت مديريات الأمن تسويقهم إلى سجون الأحكام الثقيلة في بغداد والمحافظات. فيخضعون لشتى صنوف التعذيب حتى يعترفوا أو يموتوا تحت السياط. .
كانت التوجيهات المركزية تنص على الآتي: عذبوهم حتى يعترفوا. أو اقتلوهم إن لم يعترفوا. وفي الحالتين يتعين على الأسر المفجوعة دفع تكاليف الإعدام بنحو 180 دينار وقتذاك لكل معدوم، وغير مسموح لآباءهم بإقامة مجالس العزاء. كانت البصرة تنوح خلسة. .
ويتفجر عويل امهاتهم خلف جدران الكتمان: (ولك يمه… شجاني وما متت وياك ؟. يمه وليدي..يا طول الملح والزاد.. يا فيّ النخل بالصيف.. يا ريحة خبز أمي.. ولك يمه..انهدم حيل الصبر بجفاك). .

في خمسميل تلك القرية المنكوبة البائسة كانت سيارات الأمن تحث الخطى بلا ضجيج، تحمل مقصلة الموت، تجوب بها الدرابين والزوايا بلا هوادة. تارة يرشدهم المختار (صدام)، وتارة برفقة المختار (جباري)، أو بإشراف المنافق (ميس) الذي كان يعمل بمعدل 24 ساعة في امن الفرقة بعد انشقاقه من الحزب الشيوعي. .

اذكر ان ازلام السلطة الحاكمة داهموا بيتنا في الشهر الخامس من عام 1982، واقتادوا اخي (هاشم). اخذوه مكبلا بالأصفاد. كان طالبا في الاعدادية. وبعد مرور عام على اعتقاله، طلبوا منا الحضور لإستقباله في قاعة نقابة العمال، ومعه حشد من المعتقلين الذين لم يبلغوا سن الرشد. .
كان مدير الامن يتحدث بمكبر الصوت. قال: (ان هؤلاء الشباب كانوا في ضيافتنا تحسبا لردود الأفعال التي كان من المحتمل وقوعها اثناء اندلاع معركة الطاهري وجسر حالوب). .
بمعنى انهم أخذوهم كرهائن لتخويف الناس، وليضمنوا سكوتهم في خضم تلك المعارك الشرسة التي دارت رحاها في مكان قريب من نهر الكارون. .

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واغفر لهم، اللهم تقبلهم في عليين مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

يفترشون الارض ويلتحفون السماء ..

الحرير/ بقلم/ رائد السعد للدولةِ قوانينها ودستورها الذي هو العماد الذي يحفظ كرامة الناس ويوفر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *