الحرير/
بقلم/د. محمد العبادي
فرق كبير بين الثورة الإسلامية التي جاءت من أجل الشعب، وبين أعمال القتل والتخريب من أجل الوصول للسلطة . وفرق كبير بين الثورة الإسلامية التي انتصرت وقدمت مئات الآلاف من الشهداء واقامت أعمدة العلم والمراكز الثقافية ، وبين أعمال القتل والتخريب التي قطفت أعمار الأطفال وطالت حتى المدارس الإبتدائية والمساجد والمكتبات العامة . وفرق كبير بين الثورة التي قدّمت باقات الأزهار لجيش الشاه المدجج بالأسلحة آنذاك فاستمالتهم واستوعبتهم، وبين المخربين الذين تدعمهم أمريكا وإسرائيل لقتل أبناء بلدهم والهجوم على مقرات ومراكز الشرطة لخلق الفوضى. وفرق كبير بين الثورة التي استعانت بالفقراء والعمال والفلاحين وأصحاب المهن الحرفية وباقي فئات الشعب، وبين المخربين والإرهابيين الذين استعانوا بالمجرمين وأصحاب السوابق من سفلة النّاس وسفهائهم . وفرق كبير بين الموالين للجمهورية الإسلامية والذين يمثلون الأغلبية الساحقة ، وبين أولئك الذين صنعتهم الأجهزة الأمنية الأجنبية وأجندتها والذين هم أقل من القلة. وفرق كبير بين الثورة الإسلامية الحرة المستقلة والتي تعمل على تماسك وتضامن الشعب ووحدة أراضيه، وبين أولئك الذين أخذت بنواصيهم وأقدامهم أمريكا ومعسكرها الغربي الإستعماري لتمزيق أراضي بلدهم وتشظية شرائح مجتمعهم إلى فئات قومية وطائفية . إنّها سنة التاريخ أن يوجد رهط يفسدون في المدينة بأعمالهم التخريبة الخبيثة، وإنّه التفاوت الكبير بين ثورة إسلامية جاءت بها التضحيات الشعبية، وبين عمليات القتل والتخريب التي صنعتها أجندة المخابرات الأجنبية ، وفرق كبير بين مَن يبني بلده، وبين مَن يمزق بلده ( أنت القتيل بما ترمي فلا تصب).
وحسبنا هذا التفاوت بيننا *** وكل إناء بالذي فيه ينضح
ترى ماذا ينضح الإناء الأمريكي ومرتزقته غير القتل؛ وهل دخلت أمريكا بلداً فأصلحته وعمرته؟!
لنعفو عن هذا الحديث ولنرجع إلى عنوان الموضوع حيث نعلم مسبقاً أنّ كلّ عنصر من عناصر القوة في الجمهورية الإسلامية يحتاج إلى مصنف مستقل، لكننا سنضع بين يدي القارئ تلك العناصر بما يناسب الحال والمقام في سلسلة مقالات، وفيما يلي نذكر أحد عناصر القوة لدى الجمهورية الإسلامية وهو عنصر( القيادة الحكيمة ):
كان الإمام الخميني(ره) مرجعاً وقائداً جمع بين العلم والعمل، وبين الدين والدنيا، وبين السياسة والعبادة فأصبحت العبادة سياسة والسياسة عبادة . لقد خاض عباب البحر اللجي في قيادة سفينة الثورة واعتلى بها على أمواج الدسائس والمؤمرات في أحلك الظروف، وفي مواجهة أحدث الأجهزة الأمنية مثل جهاز السافاك الشاهنشاهي ومن ورائه أجهزة السي آي أيه ، وجهاز المخابرات البريطاني أم آي 6 وغيرها . لقد كان النظام الملكي السابق يعمل على تطبيق السياسات الأجنبية وكدليل على ذلك ما ذكره الوزير أسد الله عَلَم في مذكراته عن النظام السابق حيث ذكر ان سفيري الولايات المتحدة وبريطانيا كانا يترددان على قصر الشاه كل يومين أو ثلاثة أيام! .
إنّ الإمام الخميني (ره) قطع دابر المتآمرين، وبفضل حنكته ودرايته انتصرت الثورة في أثناء مرحلة معارضتها للنظام الملكي، وانتقل بها من مرحلة المعارضة للنظام الملكي إلى مرحلة التأسيس للدولة الثورية الفتية .
وبعد وفاة الإمام الخميني(ره) سنة 1989م، تسلم القيادة السيد علي الخامنئي( دام ظله) وكان نعم الخلف للسلف ، وكانت فترة قيادته قد نقلت الدولة من مرحلتها الفتية إلى مرحلة البلوغ، وأخذت قوى النظام الإسلامي على عهدتها بالعمل على التنمية الشاملة.
وكان لتوجيهاته السديدة وقيادته الرشيدة أثرها البالغ على النظام بأكمله حيث انتقلت الدولة من طورها الفتي إلى مرحلة البلوغ، ومن ثم بعد حوالي عقدين من قيادته إنتقلت إلى مرحلة النبوغ في كثير من المجالات، ومنها المجالات الدفاعية والعلمية والطبية وبعض القطاعات الصناعية والعمرانية والزراعية .
إنّ هذا السيد كان ولازال وسيبقى أملاً لكلّ الأحرار والشرفاء في العالم وهو العروة الوثقى والقائد الحقيقي الذي حافظ على مصالح الشعب الإيراني أمام القوى الإستعمارية الناهبة لثروات وخيرات الشعوب. إنّه المأوى والمسكن الذي يتكئ عليه النظام الإسلامي حيث يتمتع بميزات قيادية فريدة ندر أن يتثائب الدهر بمثلها؛ فهو المرجع الديني الذي لم تهجم عليه اللوابس، وهو الإمام وصمام الأمان عند إقبال الفتن وإدبارها، وهو السد الكبير في وجه كل الطامعين بإيران بل وفي بعض بلاد المسلمين .
إن قيادته تمثل قمة العقل السياسي الهادئ حتى في أقسى الظروف وأشدها وطأة، وتمثل أيضاً قمة في التقوى فهو أخشن في ذات الله وفي الدفاع عن مصالح العباد والبلاد . إنه قائد لايحابي عدو ولا يتملق قوي ولايخضع لتهديد أو وعيد، ولا يمل من العمل كأنّه فُطر على أن يكون صلباً مع الأعداء وليناً مع الأصدقاء، ولعلّ في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه لمالك الأشتر ما يستقر على شخصيته، وهو يقول: « كان لي فيما مضى أخ في الله كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه..وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد..وكان أكثر دهره صامتاً…فإن قال بذ القائلين ونقع غليل السائلين وكان ضعيفاً مستضعفاً فإن جاء الجد فهو ليث عاد وصل واد …».
إنّه قائد فذ يعرف موضع الداء فيشير إلى الدواء بتوجيهاته، وموضع الخلل فيأمر بترتيبه وترميمه، وموضع الهوة فيبادر إلى ردمها وملئها، وقدرته على التشخيص الدقيق استثنائية، وعقله استراتيجي يستشرف به ما استقبل من الأمور وكأنّها حالّة في محضره ، وينظر إلى أبعد من الموضوعات فيصيب به مواضع الصواب « ارمِ ببصرك أقصى القوم ..».
إنّها البصيرة الدينية والسياسية التي نال بها الفهم الدقيق لمتغيرات الزمن، والقيادة الحكيمة التي تمتاز في إدارة سفينة النظام وما يواجهه من تحديات نحو بر الأمان.
وقد شاهدنا خلال فترة قيادته للنظام الإسلامي عمله الدؤوب على تثبيت المؤسسات الدستورية وتربية أجيال عديدة تعمل بجد من أجل خدمة شعبها بل خدمة البشرية .
هذا القائد في حياته الميدانية قام بمئات الزيارات للمدن والقرى وما فيها من شركات ومؤسسات ومعارض ومزارات وجامعات وفئات مهنية وثقافية واجتماعية مختلفة، وفي لقائاته مع التيارات والأحزاب والحركات والمنظمات والنقابات استمع وتحاور وتكلم عن مختلف الموضوعات المهمة، وقد استمع في ذلك فأوعى وتحاور وحوى وتكلم فأرضى. نعم إنه القائد في عقله الأفقي وفكره العمودي عند تناوله لأمهات المسائل، وقد انعكس ذلك في تأكيده على الوحدة الوطنية، وترسيخ الهوية الثقافية والدينية ،والإهتمام بالشباب وبناء المستقبل، وأيضاً الإهتمام بالاقتصاد والدفاع والعدالة وغير ذلك.
لا شك أن الدهر يلد كوكباً كل ألف وأظن أنّه كوكب زماننا الذي شع بضيائه على جغرافية واسعة من العالم وترك بصمته على الحياة الحاضرة والمستقبلية، ويستحق أن يثني عليه سلفه الإمام الخميني(ره) عندما كان يراقب ويتابع زيارته لباكستان من خلال شاشة التلفاز ويقول : إنّه حقاً لقائد .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة