الحرير/
بقلم/د. محمد العبادي
الدول التي تتمتع بالحرية هي التي تظهر فيها الاعتراضات والتظاهرات، أما الدول التي تفتقر إلى الحرية فلا تظهر فيها رائحة للمظاهرات، بل تلاحق المعارضين حتى وهم يجلسون أحلاس بيوتهم.
أتحدث لكم من داخل إيران، وأستطيع أن أنتقد الرئيس بزشكيان أو أنتقد أي مسؤول من دون أن تضايقني السلطات فيها، لأنّ إيران تتمتع بالحرية؛ في إحدى المرات نقلت الدكتورة فاطمة واعظ جوادي مسؤولة منظمة البيئة في زمن الرئيس أحمدي نجاد أنّها وردت إلى أحد محلات ( السوبر ماركت ) وسمعت الانتقادات لحكومة الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، وأخذت تتحاور مع بعض النساء من دون أن يعرفوا هويتها، ونقلت تلك الانتقادات إلى مجلس الوزراء في اجتماعه الاسبوعي لتلافي الأخطاء من دون أن تتعرض تلك النساء إلى ملاحقات. لمرات وكرات يتم إنتقاد المسؤولين أو تمجيدهم ويتم نقل ذلك بشكل علني من قبل وسائل الإعلام الإيرانية ولم يتم محاسبة أولئك الذين ينتقدون، لأنهم يمارسون حقهم الطبيعي، وقبل أشهر تظاهر كبار السن من المتقاعدين ضد رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف وأطلقوا ألفاظاً شديدة اللهجة ضده، لأنّه والبرلمان لم يأخذوا بالحسبان زيادة رواتبهم التقاعدية، ونقلت شبكة الأخبار ( شبكه شش)ذلك بصورة مباشرة، ولم تتخذ السلطات إجراءات عقابية ضدهم بل تحاورت مع ممثليهم وتم تعديل القانون التقاعدي. بإمكان المتابع أن يطلع على المواقع والقنوات الإعلامية الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية ليشاهد حجم التفاعل والانتقادات والآراء المختلفة سلباً أو إيجابا. بشكل شبه يومي أسمع من يمجد النظام، وأسمع من ينتقد المسؤولين كل ذلك بصورة علنية دون أن يضايقهم أحد . إنّها الحرية التي قدّم الإيرانيون من أجلها فلذات اكبادهم وتحرروا من ربقة الإستعمار الأمريكي الذي كان يمسك برقبة الشاه المخلوع وبمقدرات إيران، وبإمكان القارئ أن يرى حجم النفوذ الأمريكي بوجود أكثر من ( 60 ) ألف مستشار داخل إيران يتقاضى كل واحد منهم ( 11 ) ألف دولار !!! فضلاً عن إعفائهم عن المؤاخذات القانونية والقضائية. ولمشاهدة حجم التغلغل الأمريكي في إيران في ظل النظام السابق أدعوا لقراءة مذكرات إحسان نراقي مستشار الشاه أو ( الملك) في كتابه: ( من قصر الملك إلى سجن ايفين) .
إنّ توقيت تلك التظاهرات الصغيرة كان سيئاً جداً وألقى بظلاله على الإنجاز العلمي الإيراني بإطلاق ثلاثة أقمار اصطناعية ، ففي اليوم التالي من ذلك الإنجاز طلع قرن تلك التظاهرات وصرف الأنظار عن تلك الحقيقة التي تشير إلى أن إيران تتقدم علمياً رغم كل العقبات التي صنعها المستعمرون الغربيون وعلى رأسهم أمريكا . بالمناسبة بعد حوالي شهر أو ما يقرب من ذلك ستطلق إيران أقماراً اصطناعية جديدة .
نعم لقد خرجت أولاً تظاهرة في طهران، وكان عدد المشاركين فيها لايتجاوز ثلاثمائة نفر من التجار وأصحاب المحلات، وكانت تلك التظاهرة محدودة جداً وبطريقة سلمية إحتجاجاً على ( إرتفاع الأسعار، وتقلبات السوق وعدم استقرار سعر الصرف، وقد أكد بعض التجار في التظاهرة أن هذه التقلبات حرمتهم فعلياً من إمكانية التجارة وتحديد الأسعار وحتى توريد البضائع) . هذه التظاهرة وغيرها في خراسان الجنوبي وخرم آباد وقزوين وتبريز لا يتجاوز عدد المتظاهرين فيها بضع عشرات او مئات الأفراد، وهم يمثلون نسبة قليلة من مجموع ( 90) مليون إيراني.
الملاحظة المهمة التي يمكن تسجيلها ورصدتها الكاميرات أو عدسات التصوير هي دخول مجموعات بشكل دفعي داخل التظاهرة وتوزعوا في أحشائها كما تظاهرة أصحاب الأسواق في طهران حيث كانت تلك التظاهرة تطوي طريقها وعندما وصلوا إلى تقاطع اسطنبول انضم إليهم نحو ( 30) امرأة يرتدين الكمامات وألبسة تخفي هويتهن بشكل كامل، وحينها بدأت التظاهرات تتجه نحو الحماسيات والغناء والرقص وشعارات سياسية، وأيضاً في مترو سعدي وفي ميدان فردوسي جاء حشد وبصورة دفعية إلى التظاهرة، ثم قطعوا الطريق على سيارات المواصلات. لا شك بوجود بعد أمني وسياسي داخل ذلك التجمهر الذي انزلق من المطالب الاقتصادية إلى الشعارات السياسية التي تمس هوية النظام .
نعم توجد تظاهرات في بعض المدن لكن أعدادها قليلة جداً، ولا يتجاوز تعدادها بضع عشرات أو مئات في أحسن الأحوال، وانحسرت وخمدت .
لفت نظري أن تلك التظاهرات كبيرة جداً في الفضاء المجازي بحيث أن من يشاهدها يقول أن النظام الإسلامي في إيران سيسقط قريباً. لقد شاهدت عشرات المقاطع التي قدمتها مواقع اعلامية مختلفة، ولم أشاهد ولو مقطعاً واحداً صادقاً أو صحيحاً عن حقيقة التظاهرات وهويتها، فبعضها لا علاقة لها بإيران وحصلت في سورية أو اليونان أو في دول أخرى وتم تركيبها وتلبيسها على إيران، وبعضها حصلت في إيران، لكن تم تركيب صور ومقاطع مع بعضها وحتى الصوت والشعارات لا ينطبق مع مشاهد الفيديو ، وبعضها حصلت في إيران، لكن أحداثها في سنوات سابقة وليست في هذه الأيام. ومن يريد الإطلاع أكثر في خصوص هذا الموضوع أدعوه لمتابعة ( أخبار جعلى ) أو ( خبر فورى سراسرى) على موقع إيتا الإيراني ليشاهد الكم الكبير من الشائعات والأخبار الكاذبة والتي يتم متابعتها وتأييد صدقها أو تكذيبها.
من عجائب دهرنا أن عشرات الآلاف من الإيرانيين ذهبوا في هذه الأيام إلى كرمان لإحياء ذكرى استشهاد القائد الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ولم تحفل بهم المواقع الإعلامية في حين خرج حفنة من المتظاهرين فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها بضجيجهم، و من عجائب عصرنا ان أكثر من مليوني معتكف ذهبوا للإعتكاف والترويح الروحي ولم ينالوا نصيباً من الإعلام في حين خرج بضع عشرات أو مئات فأخذ الإعلام يطنطن بهذا الزبد الجفاء .
لمن لا يعلم فإنّ إيران دولة قوية لأنها دولة مؤسسات ولها جذور عميقة داخل الشعب، ولايمكن أن تأتي عليها أو تجتثها تظاهرة، أو أعمال تستهدف أمنها لأنّ النظام متماسك ويختلف عن الأنظمة الكارتونية والتي تم اسقاطها إعلامياً أولاً ، ومن ثم اسقطوها وكسروا ظهرها بقشة المرتزقة والجواسیس والعملاء والمغفلین. إن ایران أقوی وأبعد من ذلك بکثیر .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة