فتنة بعنوان: عودة بغداد إلى أهلها

الحرير/

بقلم: كمال فتاح حيدر

بداية ينبغي ان ندرك ان مفردة (العاصمة)، تعني: مركز الدولة وقاعدتها الحكومية وقلعتها الدبلوماسية والسيادية والقيادية، وتعني مقر الدولة وبيتها وسلطتها، فالعاصمة ليست جمعية خيرية، ولا واجهة تنظيمية تعمل لحساب هذا الحزب أو ذاك. .
هل سمعتم بنداءات مصرية تطالب بعودة القاهرة إلى أهلها ؟. وهل سمعتم بنداءات بريطانية تطالب بعودة لندن إلى أهلها ؟، أو عودة موسكو إلى أهلها ؟، أو طوكيو إلى أهلها ؟. .
فهل وقعت بغداد في قبضة الغرباء حتى يطالب الخاسرون في الانتخابات بعودتها إلى أهلها ؟. وعلى هذا السياق نسمع بين الحين والآخر نداءات تطالب بعودة البصرة إلى أهلها، وعودة واسط إلى أهلها. وعودة بابل إلى أهلها. وربما نسمع بمن يطالب البرلمان بإصدار تشريع يقضي بتوزيعنا مناطقياً وعشائريا وقوميا ومذهبيا، أو حسب الطول والوزن وفصيلة الدم. .
ثم من هم اهل بغداد وأهل البصرة وأهل واسط وأهل الكوفة ؟. لا ريب انهم المواطنون المدافعون عن حصون العراق وتاريخه ومكانته الحضارية العريقة. .
فبغداد عاصمة لكل عراقي بصرف النظر عن مسقط رأسه أو المدينة التي يعيش فيها الآن. كل العراقيين لهم حق العيش والانتقال إلى مدننا التي يرومون الاستقرار فيها. وبالتالي فإن بغداد ليست حكرا على أحد، وليست مسجلة باسم قبيلة من القبائل، ولا مملوكة لحزب من الاحزاب. وليست مخصصة لطائفة من الطوائف ولا لفرقة من الفرق. وهي ليست شركة استثمارية تابعة للقطاع الخاص، ولا منظمة من منظمات المجتمع المدني. ولا قطعة ارض مغتصبة كانت محجوزة لقوم من الأقوام. .
وهكذا ظلت منذ تأسيسها عاصمة لأبناء الرافدين كافة، قصدها كبار الشعراء فتغنّوا بجمالها وحضورها القوي كونها مركزا للخلافة ومدينة أحتضنت كبار العلماء والفقهاء والقادة. قال فيها الوراق: (مَن ذا أَصابَكِ يا بغدادُ بالعَينِ أَلم تَكوني زماناً قُرَّةَ العَين). وقال بن العقيل: (ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين على تقلّبها في كلّ ما حين). وقال عنها الجواهري: (بغداد يا قلب العراق ووعیه وضمیره، لا زعزعتك رياح). .
اغلب الظن ان الذين يطالبون بعودتها إلى أهلها لم يقرأوا كتاب (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي. وهو مرجع ثقيل يقع في 21 جزءا تضمنت صفحاته أكثر من 7831 ترجمة لحياة العلماء والمفكرين وأعيان البلد ورجال الدولة. جمعه على طريقة المحدثين وضم فيه فوائد كثيرة فصار كتاباً كبير الحجم، وهو متوفر في المكتبات بطبعات عدة، وله أهميته من النواحي العلمية والثقافية لأنه يتطرق لعلماء بغداد على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم، ويبين نشاطاتهم في المدن الإسلامية في ذلك الوقت. ويضم أيضاً عرضاً للكتب التي أُلفت في تاريخ بغداد. .
كلمة اخيرة: سوف تبقى بغداد كما كانت عاصمة ومنارة للعلوم والفنون والآداب شاء من شاء وأبى من أبى. .

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

على قاعة الديوان .. للشاعر تعريف آخر للوطنية !

الحرير/ بقلم/حسين الذكر سمعت كثيرا عن شعر الغزل والحب والعاطفة شعبيا وفصيحا جادا وهزليا بمختلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *