الحرير/
بقلم/حسين الذكر
كنت طالبا في الاعدادية حينما بدات اقرا عن الثورات العالمية الاحدث سيما ( الثورة الفرنسية والسوفيتية وقبلها الامريكية ) .. لم يختمرني الزمن ولم تختبر ذاكرتي الطرية بعد في ظل محطات زمكانية متعددة تفرض خبرة تجربة حية ضرورية لاختمار المفاهيم والاحداث في العقل الانساني فضلا عن ترسيخه بما يسمى وعيا لاحقا .. وضياع تلك التراتبية المعقلنة حتما سيؤدي لفهم خاطيء لجزء من – الواقع باقل تقدير – .
بعد سنوات عجاف فهمنا ان الحكم العثماني للعرب قد خلف ثلاثي مشؤوم ( فقر وجهل ومرض ) .. هذا الثلاثي المتفشي باوصال الامة منذ قرون مازالت تبعاته قائمة برغم سقوط الدولة العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى (14 – 1918 ) التي ادت نتائجها الى توزيع المصالح بخلاف عما كان يرفع من شعارات كما اثبتت الاسباب الظاهرة للحرب لم تكن مطابقة للسرية منها .
دخل البريطانيون العراق عام 1917 واعلن الجنرال مود الذي مات بشكل غامض ودفن في بغداد مع فهمي لاحقا ان موت القيادات والسياسيين له معنى اخر في الوعي الحداثوي بخطاب موجه لاهالي بغداد : ( جئناكم محررين لا فاتحين ) .. ثم عصفت البلاد موجة توجهات وفعاليات وحراك توج اخيرا بتحقيق المطلب الغربي البريطاني وتم اعلان العراق مملكة توج فيها الملك فيصل الاول الذي مات بظروف غامضة ثم خلفه الملك غازي الذي مات بظروف اغمض قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بمدة ثم ختمت الحقبة الملكية بما سمى فاجعة قصر الرحاب اذ استبيح دم العائلة المالكة بما فيهم الملك فيصل الثاني رحمهم الله جميعا ..
الحقبة الملكية اربعة عقود تقريبا ( 21-1958 ) الكثير من الانجازات الوطنية التي لم يكن لها وجود واثر في قرون عثمانية سابقة .. فضلا عن انتشار المدارس وتاسيس الكليات والمعاهد والاندية الرياضية والكشافة والمنتديات وتعمير المدن ونظم الحكم وحرية الصحافة والتعبير برغم ما يشاع من انتقادات تتعلق بالفقر والاقطاع والطائفية الوظيفية وان كانت محدودة الا ان الحكم الملكي في العراق يعد خطوة كبرى وتحول عظيم بتاريخ العراق الحديث .
في ظل هذه الاجواء المشحونة وما هيء لها من اسباب وتاثير راي عام حدث انقلاب 1958 الذي اطاح بالملكة وقد قاد وحكم الثورة زعيم الفقراء عبد الكريم قاسم رحمه الله حتى 1963 كجزء من تصفيات سياسية متوقعة مستمرة في البلاد العربية عامة والعراقية خاصة .
مما لاشك فيه ان الزعيم اثبت انه زعيما وطنيا نال حب الاغلبية من سواد الشعب ونخبه الا المتضررين من ثورته فضلا عن تحقيق كثير الانجازات الاستراتيجية التي ما زالت قائمة بعد اكثر من نصف قرن.
قبل ايام دعيت لندوة في قاعة جواد سليم بالمتنبي عن ثورة 14 تموز التي اطاحت بالنظام الملكي 1958 وقد تحدث الصديق ( هادي الطائي ابو علي ) المحب لعبد الكريم قاسم معزز كلماته بالصحف الارشيفية وعلم الدولة وبعض المقتنيات الخاصة .
اتيحت مداخلة قلت فيها : ( ان شخصية الزعيم فضلا عن اثاره ومنجزاته ما زالت شاخصة لكن تقييمها لم يتم الاتفاق عليه اذ ل له اسباب فهمه وخلفياتها كعادة الناس بتقييم الاحداث الكبرى .. الا اني اعتقد بضرورة تخليد ذكرى الزعيم قاسم ورفع صورته بالمؤسسات جنب صورة الملك فيصل الاول كمؤسسين للدولة العراقية الحديثة ) مضيفا : ( ان كل حدث عالمي كبير باي زمكان لا بد وان يكون لقوى الخارج يد فيه كجزء من حقيقة الواقع السياسي وحكومته العالمية التي تتبدل فيها اسماء الشخصيات وعناوين انظمة الحكم فيما تبقى هي قائمة – تقريبا – كما يجب الاخذ بنظر الاعتبار ما وصله حال المجتمع والدولة العراقية منذ اعدام الزعيم حتى الان وتفسيرها بشكل مغاير عما يطرح بصورة تجريدية .. فحسن النوايا وحده لا يكفي فضلا عن اي تفسير فئوي او طائفي لا يعتد به فكل الاحداث الكبرى تقاس وتقيم وفقا لمصالح المجتمع وتطور البلدان سيما في جانب حرية التفكير والتعبير والعدالة الاجتماعية وثقافة المواطن واستقرار مؤسسات الدولة وتطورها .
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة