جائزة الأفضل .. ليس بالضرورة للأفضل !

الحرير/

بقلم/حسين الذكر

منذ مطلع سبعينيات القرن المنصرم، أخذ ملف كرة القدم الاحترافي يسير بمنحى آخر مختلف تماماً عمّا بدا عليه الملف منتصف القرن التاسع عشر، حيث بدأت اللعبة تنتشر، وبدأ عدد الممارسين والمتابعين يتزايد بشكل مضطرد، تعبيراً ومخرجاً عن ظاهرة البطالة التي ضربت صميم أوروبا بعد نجاح (المحرك والآلة) في تعويض عدد العمال وتقليص الاعتماد على العضلة الإنسانية.

هنا ظهرت كرة القدم، إحدى أهم ابتكارات العقل (الرأسمالي)، بتوظيف الملفات لصالح قضايا الأمم ومصالحها الكبرى. بدأت اللعبة تأخذ بُعدها الرسمي والقانوني في بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها شمس المصالح والسلطة، حتى وُضعت خطط استراتيجية برؤية (غربية نافذة مجنّحة إلى ما هو أبعد من رؤية العين المجردة أو العقل السطحي الهامشي للإنسان الاتكالي). فولدت اللعبة بجوهرها الذي ما زالت تحافظ على بنيانه الأساس، برغم التغيرات الكبرى في ميزان القوة وتعدد القوى وتطورات التكنولوجيا والاستقطابات التقنية لصالح اللعبة التي بلغت ذروتها بدخول منظومة (الفار).

تُعد جائزة الأفضل في العالم واحدة من تلك الاستخدامات والاستثمارات التسويقية الأهم التي تحرص عليها الدول الكبرى في تسيير دفة ملفات أخرى، ليس بالضرورة أن تكون (كروية فنية بحتة)، كبقية الجوائز العالمية المعروفة: (أجمل نساء العالم، جائزة حقوق الإنسان، أفضل فيلم، جائزة نوبل بمختلف تفرعاتها….)، وهكذا مما وُلد من رحم القوة والعقل الابتكاري الخلاق الذي، بكل تأكيد، لا يمكن أن ينظر إلى معيار الأفضل كما ينظر إليه الإنسان البسيط والمتابع البريء، أو ذلك العقل البدائي الساذج ممن لا يزال يعتقد أن الفوز بكأس العالم – مثلاً – يمكن أن يتحقق بالدعاء والتعاويذ والسحر، أو أن السماء تمطر… (دولارات) في يوم ما.

مسابقة أو مهرجان أو جائزة الأفضل، فيما يخص ملف كرة القدم، جائزة تطورت من أفضل لاعب إلى تفرعات عدة: أفضل لاعب، وواعد، ولاعبة، ومدرب، واتحاد، وحكم، وحتماً في المستقبل يُضاف لها الكثير على طريق توسعة الجائزة بقدر مهامها وتوظيفها العالمي بملفات أخرى، أقل قليلها هو الجانب التسويقي الذي ما زلنا نجهل الكثير الكثير من محتواها التقني والفني والعملي والاستراتيجي، فضلاً عن التوظيفي.

تابعنا – كالعادة – كل عام حفل توزيع جائزة الأفضل لعام 2026، وكما هو متوقع، فإن جائزة أفضل لاعب التي مُنحت إلى الإنجليزي (هاري كين) هي الأهم والعنوان الأبرز، أما بقية الجوائز فما هي إلا تغطية وتطييب خواطر للأدوات المشاركة بالحفل، واتساع رقعة التوظيف الأمثل من أجل تقبّل وتمرير (أجندة) الجائزة الرئيسية التي فاز بها الإنجليزي (كين).

كين لاعب جيد جداً، ويمتاز بجانب قيمي عالٍ، فضلاً عن مستواه الفني، وهذا لا يختلف عليه. إلا أن تفضيله على نجوم آخرين ممن قدموا الكثير من الإنجاز والأهداف والصناعة والجمال، وأسهموا تسويقياً بجذب الاستثمارات وتحقيق المشاهدات واللايكات، وفقاً لتعابير التقييم التواصلية الجديدة، يؤكد أن معيار الأفضل فنياً، كما يعرفه ويفهمه الإعلامي واللاعب والمدرب والجمهور والمحلل الفني…. ليس هو بالضرورة العامل الحاسم والكلمة الفصل في توزيع الجوائز والتتويج بلقب الأفضل.

هنا قضية أخرى يجب أن تُدرس عبر ندوات تضم أهل الفكر المتنوع والمتبحر بملفات الحياة – حصراً – للوقوف على كيفية إدارة الملفات وتوظيفها لصالح قوى الدول. وهنا ينبغي اختبار العقل واستخدام الوعي للبحث عن أهداف (مقدسة) حقاً تخدم الأمم ومجتمعاتها… اليوم، بل وكل يوم.

عن عامر العيداني

شاهد أيضاً

” نصيحة ببلاش عصفور بفلس “

الحرير/ بقلم/عمر الناصر قلتها سابقاً بأن التحليل السياسي علم يتم دراسته في كليات العلوم السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *