الحرير/
بقلم/حسين الذكر
ان التغييرات الأخلاقية الظاهرة بشكل جلي على سلوكيات شرائح مجتمعية عديدة سيما فئة الشباب الأكثر تعرضا لوسائل التواصل منهم ، يعد تغييرا منطقيا ينسجم مع حتمية دورانية الحياة عامة وما تعلق منها بتاثيرات برامج التواصل واخلاقيات العولمة بشكل خاص .. لذا اصبحنا نسمع ونقرا عن تصاعد ملحوظ في إحصاءات الشذوذ التربوي والاختلال الاسري والتمرد القيمي العام الذي بدأت الاسر والمجتمعات تشكوا فيه صراحة من جفاء وصد – اقل ما يمكن القول عنه – من أبنائهم ..
قرات بوستات وتعليقات مؤلمة للاباء والامهات وهم يعبرون عما اوقعهم فيه أبنائهم .. احد اصدقائي استاذ جامعي باحدى الدول العربية سافر صحبة زوجته لرؤية ولده الذي يدرس في اميركا على نفقة والديه الذين قدموا ما في وسعهم لاسعاد ابنهم الوحيد متحملين ارهاق مرتباتهم التقاعدية .. لكنه تصرف بجفاء ورفض مقابلتهم بعد معاناة وتكاليف السفر الباهظة .. فعادوا يشقون جيوب الحسرة وفي أعينهم للسماء نظرة .. فيما كتبت طبيبة عاتبة على ابنتها المحامية في اوربا انها لم ترد على سلام أمها حتى عبر وسائل التواصل الا ما ندر وحسب المزاج وما يشكله من الم نفسي لدى الوالدة وما ينبئ عن مستقبل خطير .. كذلك قرأت ان احد الأستاذة في المغرب العربي رجا ولده الجامعي للتدخل لاقناع امه كي لا تتطلق .. لكنه صعق من لا مبالاة وسخرية ابنه الذي غادر المكان مكتفيا بكلمة ( كنسل ) .. فيما كتب مدرس انه ناقش أولاده عن حاله وصعوبة العيش وضرورة مساعدته لتحمل أعباء الحياة لكن أولاده اجابوه بدم بارد : ( هاجر احسن لك ولنا ) .
جراء الظروف الصعبة التي يعانيها بعض العرب خصوصا في البلدان كثيفة السكان سيما بعد تداعيات الجائحة التي لم يتحسن الاقتصاد بشكل مثالي بعدها وما لحقها من ازمات سياسية وامنية واقتصادية مستمرة تبدو ملاصقة للعرب والشرق الاوسط بشكل جذري استراتيجي وربما فطري .. وما ازمة المضايق والخلجان القائمة الا جزء من ذلك الاستراتيج المنعكس علينا بالقلق والهلع وعدم الاستقرار وارتفاع الأسعار واشكال الامراض ..
كتب احد الموظفين الذي نال شهادة عليا في الهندسة ودرس وتعب وعاش طوال حياته ملتزما بالمباديء والاخلاق متحليا بالحس الوطني المسؤول .. لكنه لم يستطع ايجاد وظيفة لبناته الثلاث بعد اكمالهن الدراسة الجامعية بتفوق علمي وسلوك أخلاقي حسن .. حتى اصبحن كل يوم يجلدن والدهن بنظرة عتاب وان كانت صامتة او ايماءات مبطنة بشكل يأجج النار في دواخله .. في وقت ان جارته العاملة في احدى المقاهي الليلة حصلت لاولادها وظائف جيدة بمرتبات مناسبة برغم تدني تحصيلهم العلمي ..
قرات يوما عمودا صحفيا احزنني بعد ان ادمع حبر قلم لدكتورة عرفت نفسها انها فلسطينية تعمل طبيبة باحدى مشفيات دولة عربية غنية تحدثت فيه عن سوء حالها الذي بلغته جراء خدمة خمسة وعشرين سنة ممارسة مهنة الطب في المشفيات الرسمية دون التمكن من توفير مستوى معاشي لائق بها وأولادها الخمسة جراء ارتفاع غلاء الأسعار وتكاليف الخدمات .. فضلا عن عدم شعورها بالراحة لما تقدمه من جهد يومي تراكمي متعاقب يولد تعب جعلها لا تشعر بالوقت واحاسيسه سمته : ( زي الثور الي يدور في الساقية ) … مع ما يخلفه الدوام المستمر من مضايقات وشكاوى مراجعين وارهاق نفسي لا يحتمل … حتى انها وقفت مرة امام أمها الاستاذة الجامعية المتقاعدة وقد ما زحتها قائلة : ( ليتك جعلتيني راقصة يا امي ) ! ضحكت العجوز مليء شدقيها ثم ادمعت كزخ مطر صاقع : ( رحم الله ابيك .. كان يغار علي وعليكن ويعد الرقص مهنة لا تليق بالمجتمع العربي والاسلامي فضلا عن كونه رزق اغلبه بنظر الشرع حرام .. فيما قضى عمره وصرف جل جهده كي تصبحن نخب مجتمعية ) .. تمتمت الطبيبة تطبب دواخلها قائلة : ( ان للناس حظوظ يا امي ) ..
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة