الحرير/
بقلم / دكتورة نور الهدى قرباز
مخبر أبحاث في اللغة والأدب الجزائري
جامعة محمد خيضر بسكرة
لم يعد السؤال اليوم : هل يكتب الكاتب؟
بل: من يكتب فعلاً؟
أهو الكاتب الذي يجلس في عزلة إبداعية يصارع اللغة، أم الصحفي الذي يركض خلف الخبر، أم الإعلامي الذي يصوغ الواقع وفق إيقاع الشاشة؟
في زمن تسارعت فيه الصورة وتكثّف فيه الحدث، أصبح الأدب مهدّدًا بنوع جديد من “الاغتيال الناعم”، اغتيال لا يتم عبر المنع أو الرقابة، بل عبر الإزاحة… إزاحة الكاتب من مركز الحكاية إلى هامشها.
بين سلطة الخبر وحرية الخيال
الصحافة بطبيعتها فنّ السرعة والاختزال، بينما الرواية والقصة والمسرح فنون التأمل والتخييل. وحين ينتقل الكاتب من فضاء الأدب إلى فضاء الإعلام، فإنه غالبًا ما يجد نفسه أمام معادلة قاسية .
إمّا أن يختزل اللغة لتناسب العنوان، أو يُقصي العمق لصالح الجاذبية، أو يُسرّع الفكرة حتى تفقد نضجها.
هنا يبدأ التحول الخطير: الكاتب لا يُقتل جسديًا، بل يُفرّغ من بطئه الجميل، من شكّه، من تأمّله من جوهره.
نور الدين لعراجي: حين يتحول الواقع إلى منافس شرس في تجربة نور الدين لعراجي، يظهر هذا التوتر بوضوح. فالكاتب الذي ينتمي إلى حقل معرفي وأكاديمي، ويشتغل على البناء العميق للنص، يجد نفسه في مواجهة واقع إعلامي يفرض إيقاعًا مختلفًا. الإعلام لا ينتظر، القصة والشعر والرواية تنتظر. الإعلام يطلب “ماذا حدث؟” الرواية تسأل “لماذا حدث؟”، في هذا السياق، يصبح الكاتب أمام خطرين:
أن يتحول إلى “كاتب تقارير” بدل كاتب عوالم، أو أن ينسحب من المشهد لصالح ضجيج إعلامي لا يترك مساحة للصوت الداخلي. ومع ذلك، فإن تجربة لعراجي تلمّح إلى مقاومة صامتة . التمسك باللغة العميقة في زمن السطح، والرهان على الفكر في زمن الاستهلاك.
إلهام العيسى: الكتابة في مواجهة الاستهلاك الإعلامي
أما تجربة إلهام العيسى، فتطرح إشكالًا آخر. كيف تكتب امرأة في زمن تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى “قصة قابلة للنشر”؟، الإعلام هنا لا يقتل فقط الإبداع، بل يُعيد تشكيله وفق مقاييسه. القصة يجب أن تكون “مؤثرة بسرعة” الشخصية يجب أن تكون “واضحة ومباشرة” النهاية يجب أن تكون “مقنعة للجمهور”، وهنا تفقد الكتابة أحد أهم عناصرها: الغموض الخلّاق.
في نصوص العيسى، يمكن أن نلمس محاولة للانفلات من هذه القوالب، عبر:
إعادة الاعتبار للصوت الداخلي، كسر خطية السرد، مقاومة الاستهلاك العاطفي السريع، لكن السؤال يبقى قائمًا:
هل تستطيع الكتابة أن تصمد طويلًا أمام آلة إعلامية لا تعترف إلا بما يُرى ويُستهلك فورًا؟ هل يقتل الإعلام الكاتب فعلاً؟
الإجابة ليست بسيطة. الإعلام لا يقتل الكاتب مباشرة، لكنه يفعل ما هو أخطر، يُسرّع الزمن الإبداعي حتى يختنق، يُسطّح اللغة حتى تفقد دهشتها، يُحوّل الكاتب إلى “منتج محتوى” بدل “صانع معنى”.
لكن، في المقابل، يمكن للإعلام أن يكون فرصة أيضًا:
لنشر النص، للوصول إلى جمهور أوسع، لكسر عزلة الكاتب .
المشكلة ليست في الإعلام ذاته، بل في خضوع الكاتب له.
الكاتب الذي ينجو، الكاتب لا يُقتل حين يدخل الإعلام، بل يُقتل حين يتخلى عن بطئه، عن شكّه، عن صمته الضروري في زمن الكاميرا،
الكاتب الحقيقي هو من يجرؤ على أن يغمض عينيه ويكتب.
وكالة الحرير الاخبارية وكالة عراقية اخبارية منوعة