recent
أخبار ساخنة

بين باكو والقدس..

 


الحرير/

بقلم/الأب الخوري محمد جورج شرايحه

 على مدار أيام الأعياد الميلادية وما تلاها من أسابيع، اطَّلعتُ على الكثير ولاحقت الأنباء عن المسيحية في منطقة "القوقاز" الصغيرة والإستراتيجية وأذربيجان، وخلُصت إلى أن المُتبحِّرين في العِلم هم أكثر مَن يَعرفون أن المسيحية في أذربيجان إنما تنتمي للعصر المسيحي الأول بالذات، وبأن "الكنيسة الألبانية الرسولية" على وجه التحديد هي التي كانت السَبَّاقة، بل الأولى، التي اعتنقت المسيحية هناك، وشَيَّدت على مر العصور الكنائس والصوامع والأبنية المسيحية وغيرها من المنشآت للخدمات الاجتماعية في أذربيجان وما جاورها من أراضٍ، فهذه الأبنية تتميز حتى اليوم بجماليتها، وتألقها، وفن العِمارة اللافت إليها، والإبداع المُتفرِّد الذي تمتعت وتتمتع به حتى اللحظة مِن لدن جميع أولئك الذين ساهموا في إبداعها على مَر الألفيتين الغابرتين.

 كذلك، اطَّلعتُ على التصريحات الكثيرة والمهمة للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بشأن حرية المسيحيين والأديان في أذربيجان، وفي واحدة منها لفت انتباهي حديثه خلال مائدة الإفطار المقامة بمناسبة شهر رمضان المبارك في سنة مطوية، إذ قال الرئيس بأن وطنه أذربيجان ينتهج سياسة متأنية في المسائل المتعلقة بالعلاقات بين الأديان ومدعومة من قِبل الشعب الأذربيجاني، وأن تنظيم هذه العلاقات في الدولة يضمن التنمية الناجحة لها، ولهذا فإن العَالم يعترف بأن أذربيجان بلد نموذجي في تنظيم العلاقات بين منتسبي الأديان والشعوب المختلفة، فنحن نريد أن يعيش الشعب الأذربيجاني في أحسن حالة، وفي أجواء من الرفاهية والسلام والأمان، ولهذا نحن لا نكتفي بالنيَّة، بل نضمن هذا كله بخطواتنا الفعلية.

 بما يتصل بسكان أذربيجان، تُعتَبر المسيحية بكل طوائفها ديانة بارزة هناك، ويُشارك المسيحيون سوياً إخوانهم المسلمين في كل الفعاليات والمناسبات الوطنية والاجتماعية، بالطبع ضمنهم الأرمن الذين يسكنون أذربيجان منذ عهد بعيد، إذ يعيش ويعمل هؤلاء في أذربيجان بمساواة وحرية وبضمانة الدستور والقوانين والتقاليد الشعبية التي تؤمن لهم الحريات الإيمانية والمساواة التامة، لذلك نراهم ثابتين في بيوتهم وعَمائرهم وأشغالهم ولا يتطلعون لا للهجرة ولا للمَهَاجِر.  

 تُعتبر الكنيسة الأرثوذكسية الأولى والأكثر انتشاراً في أذربيجان، وهو أمر تاريخي طبيعي، وينتمي إليها أصحاب القوميات الروسية والجورجية والأرمنية التي تتمتع بوجود كنائسها ومؤسساتها المختلفة، كذلك تخضع أراضي الوقف الديني المسيحية بكاملها للكنائس بموجب حرية المعتقد الذي يضمنه الدستور والتقاليد الأذربيجانية ووَحدة الشعب الأذري مع الأعراق الأخرى التي تحيا في جمهورية أذربيجان، وتأكيداً على  ذلك، زار بابا الفاتيكان فرنسيس أذربيجان في عام 2016، وخاطب زعماء أديان مختلفة إبَّان زيارته لمسجد في باكو، وترأس قداساً حضره مسيحيون كاثوليك في أذربيجان. 

 هنالك مادة فيلمية وثائقية مهمة ولافتة للانتباه أنجزها مركز الترجمة الحكومي الأذربيجاني بعنوان "الكنائس الألبانية - آثار قديمة لتاريخنا"، تتناول التاريخ السابق للألبان الذين عاشوا في أذربيجان لقرون عديدة، والتعايش والثقافة المشتركة مع الأذريين، وما تعرضت إليه الكنيسة الألبانية الرسولية من تحريف تاريخي أرميني. يمكن للمهتمين الاطلاع من خلال الإنترنت على هذا الفيلم الذي تم عرضه بلغات كثيرة منها العربية، والإنجليزية، والروسية، والتركية، والفارسية، والجورجية، والفرنسية، والأوكرانية، والإسبانية والألمانية، وجرى تزويد السفارات والبعثات الأجنبية المعتمدة في باكو ووسائل الإعلام العالمية الرائدة بنسخ به، كما نشر "مركز الترجمة" معلومات عن "كنائس ألبانيا القوقازية"، جاء في بعضها بأن "ألبانيا القوقازية التي لفتت أنظار مؤرخي العَالم بتاريخها القديم وثقافتها ومعالمها الأثرية، تُعدُ من أولى الدول في العَالم التي انتشرت فيها المسيحية، ووفقاً للمصادر التاريخية، فإن وصول المبشرين المسيحيين من القدس وسورية في القرن الأول الميلادي إلى هذه الأراضي أدَّى إلى تكوين المجتمعات المسيحية الأولى هناك".

 تُشير مختلف المصادر التي اطلعتُ أنا عليها، إلى أن تاريخ الكنيسة الرسولية الألبانية كان متصل بعُرى وثيقة للغاية بكنيسة القدس ومؤازر لها ومتماثل معها بثبات، ثم في الفترات اللاحقة كذلك "كان رباطه صَلباً ببطريركية القدس نفسها أيضاً". ويوجد المزيد من المعلومات التفصيلية عن هذا الموضوع في كتاب "تاريخ الدولة الألبانية"، الذي أَلَّفَه المؤرخ الألباني الشهير موسى كالانكاتلي بأمر من الحاكم الألباني "جافانشير". يؤكد هذا المرجع التوثيقي أن القديس "أليشع" تلميذ الرسول ثاديوس قال أثناء بناء كنيسة "كيش في شاكي" التي هي إحدى المقاطعات الألبانية القديمة: "هذا هو مركزنا الروحي ومكاننا الأول الذي اقتدينا به". ويُشير هذا المؤلَف المرجعي أيضاً إلى أن "أليشع" الذي هو أول داعية للمسيحية في ألبانيا، قُتل ودُفن بالقرب من مدينة "شاكي". وتنعكس حقيقة انتشار المسيحية في "ألبانيا القوقازية" قبل ظهور مفهوم أرمينيا بفترة طويلة في إحدى رسائل الكاثوليكوس الأرمني أبراهام إلى الألبان، وجاء فيها: "كان عرش البطريركية الألبانية الأقدم من عرشنا يتفق معنا (الأرمن) فيما قبل". 

google-playkhamsatmostaqltradent